بيروت – المنشر_الاخباري
في تصريح وُصف بأنه من أكثر المواقف السياسية المباشرة في المرحلة الأخيرة، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون في مقابلة مع شبكة CNN إن “اللبنانيين ليسوا شعبك”، موجهاً كلامه بشكل مباشر إلى الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ، في لحظة تعكس تصاعد التوتر بين الدولة اللبنانية والحزب المدعوم من إيران.
جاء هذا التصريح في سياق ردّ الرئيس اللبناني على مواقف صدرت عن حزب الله اعتبرت أن المحادثات الجارية بشأن وقف إطلاق النار مع إسرائيل “استسلام”، وهو ما فجّر سجالاً سياسياً واسعاً داخل لبنان، أعاد فتح ملف العلاقة بين الدولة والحزب، وحدود النفوذ السياسي والعسكري لكل منهما.
مواجهة سياسية مباشرة غير مسبوقة
لم يكن تصريح الرئيس اللبناني مجرد ردّ سياسي تقليدي، بل بدا وكأنه إعلان واضح عن حدود الخطاب الرسمي للدولة اللبنانية تجاه حزب الله. فعبارة “اللبنانيون ليسوا شعبك” حملت رسالة مزدوجة: الأولى رفض أي محاولة لاحتكار تمثيل اللبنانيين، والثانية تأكيد أن القرار الوطني لا يمكن أن يُختزل في تنظيم سياسي أو عسكري مهما كان نفوذه.
وأضاف عون في المقابلة أن اللبنانيين ينتمون إلى دولة واحدة ومؤسسات واحدة، وأن أي حديث باسم الشعب يجب أن يمر عبر الشرعية الدستورية وليس عبر الخطابات الحزبية أو الفصائل المسلحة.
غضب شعبي متراكم من الحرب
وأشار الرئيس اللبناني خلال حديثه إلى أنه التقى مواطنين من مختلف الطوائف، بينهم مواطنون من الطائفة الشيعية في الجنوب، وأكدوا له أنهم “سئموا” من الحروب المتكررة التي يدفعون ثمنها من منازلهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
وأوضح أن استمرار المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية مع إسرائيل أدى إلى موجات متكررة من الدمار، حيث “أُبيدت عائلات كاملة” نتيجة الغارات، في إشارة إلى الخسائر البشرية الكبيرة التي خلفتها العمليات العسكرية المتبادلة.
هذا الخطاب حمل بُعداً إنسانياً واضحاً، لكنه في الوقت نفسه بدا موجهاً سياسياً ضد حزب الله، الذي يبرر وجوده العسكري بأنه جزء من “المقاومة” ضد إسرائيل.
حزب الله بين الدولة والسلاح
يُعد حزب الله أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان، خصوصاً مع احتفاظه بترسانة عسكرية كبيرة ونفوذ سياسي داخل البرلمان والحكومة، إضافة إلى ارتباطه الاستراتيجي بإيران Iran، التي تُعد الداعم الرئيسي له منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي.
ورغم أن الحزب نشأ في سياق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، إلا أنه تحوّل عبر العقود إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة داخل الدولة اللبنانية، ما خلق حالة من “ازدواجية السلطة” بين مؤسسات الدولة الرسمية وبين قوة موازية تمتلك قرار الحرب والسلم جزئياً.
هذا الواقع جعل أي محاولة لضبط سلاح الحزب أو دمجه ضمن إطار الدولة مهمة بالغة التعقيد، وغالباً ما تصطدم بانقسامات داخلية حادة وتوازنات إقليمية دقيقة.
تصعيد في لحظة إقليمية حساسة
تأتي تصريحات الرئيس اللبناني في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق في الجنوب، وتزايد المخاوف من انهيار أي تفاهمات هشّة لوقف إطلاق النار.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن لبنان يعيش حالة استنزاف مستمرة، حيث تتكرر الضربات العسكرية وتزداد الضغوط على الحكومة اللبنانية لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة جديدة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن خطاب الرئيس اللبناني يعكس محاولة لإعادة تثبيت موقع الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني، في مواجهة واقع ميداني تتحكم فيه قوى غير رسمية إلى حد كبير.
رسالة سياسية إلى الداخل والخارج
تصريحات عون لم تكن موجهة إلى الداخل اللبناني فقط، بل حملت أيضاً رسائل إلى الخارج، خصوصاً إلى القوى الدولية والإقليمية المعنية بالملف اللبناني.
فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تتابع عن كثب ملف سلاح حزب الله، وتعتبره أحد عوامل عدم الاستقرار في المنطقة، بينما ترى إيران وحلفاؤها أن الحزب يشكل جزءاً من “محور المقاومة” في مواجهة إسرائيل.
وبين هذين الخطين المتناقضين، يحاول لبنان الرسمي التمسك بخطاب يقوم على حماية الاستقرار الداخلي وتجنب الانزلاق إلى حرب جديدة، مع التأكيد على دور الدولة ومؤسساتها.
صراع الهوية السياسية في لبنان
تكشف هذه المواجهة الكلامية عن أزمة أعمق في بنية الدولة اللبنانية، تتعلق بهوية القرار السياسي والعسكري. فلبنان يعيش منذ سنوات حالة توازن هش بين الدولة المركزية وبين قوى سياسية مسلحة تمتلك تأثيراً يتجاوز حدود الدولة التقليدية.
وهذا التوازن بات أكثر هشاشة مع تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً في ظل الحرب في غزة، وتزايد احتمالات توسع المواجهات في المنطقة.
بين الردع والانفجار
في ظل هذا المشهد، تبدو التصريحات الأخيرة جزءاً من محاولة سياسية لإعادة رسم حدود القوة داخل لبنان، لكن من دون ضمانات بأن ذلك سيؤدي إلى خفض التوتر.
ففي المقابل، يتمسك حزب الله بخطابه السياسي والعسكري، ويرى أن دوره الإقليمي مرتبط بمواجهة إسرائيل وليس خاضعاً بالكامل للقرار الداخلي اللبناني.
خاتمة: دولة تبحث عن قرارها
ما بين خطاب الدولة اللبنانية ومحور المقاومة، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام سؤال جوهري: من يملك قرار الحرب والسلم؟ تصريح الرئيس اللبناني الأخير لم يكن مجرد رد إعلامي، بل بدا كأنه محاولة لإعادة طرح هذا السؤال على الطاولة من جديد، في لحظة إقليمية لا تحتمل المزيد من الانفجارات.










