عشرات الآلاف يواصلون التظاهر لليلة الثانية عشرة رفضًا لمشروع سياحي بقيمة 4.6 مليار دولار تدعمه إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر وسط مخاوف بيئية واتهامات للحكومة ببيع الثروات الطبيعية
لندن – المنشر_الاخباري
تواصلت الاحتجاجات الشعبية في ألبانيا لليلة الثانية عشرة على التوالي، مع خروج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة تيرانا وعدد من المناطق الساحلية جنوب غرب البلاد، رفضًا لمشروع سياحي ضخم تبلغ قيمته 4.6 مليار دولار يرتبط بإيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وزوجها رجل الأعمال جاريد كوشنر.
وتحولت الاحتجاجات، التي بدأت في الأساس اعتراضًا على التأثيرات البيئية للمشروع، إلى أزمة سياسية متصاعدة تواجه حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، بعدما اتهم المحتجون السلطات بالتفريط في الموارد الطبيعية للبلاد لصالح مستثمرين أجانب مقابل مكاسب اقتصادية واستثمارات خارجية.
ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “ألبانيا ليست للبيع”، مطالبين بإلغاء المشروع بشكل كامل واستقالة الحكومة التي يقودها راما، والذي يتولى السلطة منذ ما يقرب من 13 عامًا.
مشروع بمليارات الدولارات
ويهدف المشروع إلى تطوير جزيرة سازان غير المأهولة وبحيرة فيوسا-نارتا المحمية بيئيًا وتحويلهما إلى وجهة سياحية فاخرة تضم نحو 10 آلاف غرفة فندقية ووحدات سكنية راقية وميناء لليخوت ومرافق ترفيهية متنوعة.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد أكبر الاستثمارات السياحية في تاريخ ألبانيا الحديث، حيث تعوّل الحكومة على مساهمته في جذب السياح الأجانب وزيادة الإيرادات الاقتصادية وخلق فرص عمل جديدة.
لكن المعارضين يرون أن المكاسب الاقتصادية المحتملة لا تبرر المخاطر البيئية الكبيرة التي قد تترتب على تنفيذ المشروع داخل مناطق طبيعية حساسة تتمتع بحماية قانونية.
كيف اكتشفت إيفانكا الموقع؟
وأثار تصريح سابق لإيفانكا ترامب جدلًا واسعًا داخل ألبانيا بعدما تحدثت عن الطريقة التي اكتشفت بها موقع المشروع.
وقالت في مقابلة صحفية أواخر مايو الماضي إنها وزوجها جاريد كوشنر وصلا إلى الجزيرة خلال رحلة بحرية على متن يخت يملكه أحد الأصدقاء، مضيفة أنهم توقفوا للسباحة قبل أن يقرروا استكشاف المنطقة سيرًا على الأقدام.
وأوضحت أن هذه الزيارة كانت بداية اهتمامهما بالموقع الذي وصفته بأنه يتمتع بإمكانات سياحية استثنائية.
غير أن هذه الرواية أثارت انتقادات واسعة بين النشطاء البيئيين والمعارضين للمشروع الذين اعتبروا أن الحديث عن اكتشاف منطقة عامة ومحميّة خلال رحلة ترفيهية يعكس تجاهلًا لأهمية الموقع وقيمته البيئية بالنسبة للألبان.
مخاوف بيئية متزايدة
وتتركز أبرز الاعتراضات على المشروع حول المخاطر التي قد يتسبب بها على النظام البيئي في منطقة فيوسا-نارتا، التي تعد واحدة من أهم المناطق الطبيعية في البحر المتوسط.
وتحتضن المنطقة أعدادًا كبيرة من طيور الفلامنغو، إضافة إلى أنواع نادرة من السلاحف البحرية والفقمات المتوسطية المهددة بالانقراض.
ويقول نشطاء البيئة إن أعمال البناء والتطوير بدأت بالفعل خلال الأشهر الماضية وأدت إلى أضرار بيئية وصفوها بأنها خطيرة وقد تكون غير قابلة للإصلاح في بعض المواقع.
كما أثار نصب أسوار شائكة على طول أجزاء من الساحل المحمي موجة غضب واسعة بين السكان المحليين والمنظمات البيئية، قبل أن يتم تفكيك هذه الأسوار لاحقًا تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية.
“ثورة الفلامنغو”
ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، أطلق المشاركون عليها اسم “ثورة الفلامنغو”، في إشارة إلى الطيور الشهيرة التي تعيش في المنطقة المهددة بالمشروع.
وأصبحت هذه التسمية رمزًا للحراك الشعبي الرافض للمشروع وللسياسات الحكومية المتعلقة باستغلال المناطق الطبيعية المحمية.
ويقول منظمو الاحتجاجات إن القضية لم تعد تقتصر على حماية البيئة فقط، بل أصبحت تعبر عن رفض أوسع للفساد وسوء الإدارة واستغلال النفوذ السياسي.
اتهامات للحكومة
ويتهم معارضو المشروع حكومة إيدي راما بتسهيل حصول المستثمرين على الأراضي والتراخيص اللازمة دون إجراء مشاورات عامة كافية أو تقديم ضمانات واضحة لحماية البيئة.
كما يشير منتقدون إلى أن السلطات الألبانية عدلت قانون المناطق المحمية عام 2024 بطريقة اعتبرها كثيرون تمهد الطريق أمام تنفيذ المشروع.
وأثار منح المشروع صفة “المستثمر الاستراتيجي” جدلًا واسعًا داخل البلاد، حيث يرى المعارضون أن هذه الصفة وفرت تسهيلات استثنائية للمطورين على حساب الاعتبارات البيئية والقانونية.
تحقيقات وتحذيرات أوروبية
وفي ظل تصاعد الجدل، بدأت الجهات المختصة في ألبانيا تحقيقات تتعلق بآليات منح حقوق استخدام الأراضي والإجراءات القانونية المرتبطة بالمشروع.
كما أبدى الاتحاد الأوروبي مخاوفه من التداعيات البيئية المحتملة، محذرًا من أن أي انتهاك للمعايير البيئية الأوروبية قد يؤثر على مسار انضمام ألبانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وتسعى ألبانيا منذ سنوات إلى تعزيز فرصها للانضمام إلى التكتل الأوروبي، وهو ما يجعل ملف حماية البيئة والالتزام بالتشريعات الأوروبية قضية بالغة الحساسية بالنسبة للحكومة.
غضب يتجاوز المشروع
ويرى محللون أن الاحتجاجات الحالية تعكس حالة استياء أوسع داخل المجتمع الألباني تتجاوز حدود المشروع السياحي نفسه.
فخلال العقود الماضية غادر أكثر من مليون ألباني البلاد بحثًا عن فرص أفضل في الخارج، وسط شكاوى مستمرة من الفساد وضعف الخدمات وتراجع الفرص الاقتصادية.
ويعتبر كثير من المحتجين أن مشروع المنتجع الفاخر أصبح رمزًا لمشكلات أعمق تتعلق بطريقة إدارة البلاد وتوزيع الموارد والثروات العامة.
اختبار صعب لحكومة راما
ومع استمرار المظاهرات واتساع المشاركة الشعبية فيها، تواجه حكومة إيدي راما أحد أكبر التحديات السياسية منذ سنوات.
ورغم تأكيد رئيس الوزراء تمسكه بالمشروع واعتباره جزءًا من خطط التنمية الاقتصادية، فإن الضغوط الشعبية المتزايدة قد تدفع السلطات إلى إعادة النظر في بعض جوانبه أو تقديم تنازلات لاحتواء الأزمة.
في المقابل، يؤكد منظمو الاحتجاجات أنهم سيواصلون التظاهر حتى يتم إلغاء المشروع بالكامل، معتبرين أن حماية البيئة والموارد الطبيعية يجب أن تكون أولوية تتقدم على المصالح الاستثمارية والاعتبارات السياسية.
وبينما تتواصل الاحتجاجات في شوارع ألبانيا، تبقى الأنظار متجهة إلى موقف الحكومة خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت ستتمكن من احتواء الغضب الشعبي أو ستواجه أزمة سياسية قد تكون الأكبر منذ سنوات.










