طهران ترد على تهديدات باريس بشأن العقوبات والملف النووي: ازدواجية المعايير لن تمنحكم حق الوصاية على إيران
طهران – المنشر_الاخباري
تصاعدت حدة التوتر بين إيران وفرنسا على نحو غير مسبوق، بعدما شنت طهران هجوماً لاذعاً على الحكومة الفرنسية، متهمة باريس بممارسة “النفاق السياسي” واتباع سياسة قائمة على ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، وذلك رداً على تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لطهران.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس تشهده المنطقة، بعد التطورات الأخيرة المرتبطة بالتفاهمات الإيرانية الأمريكية، وما رافقها من نقاشات دولية حول مستقبل العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية وإمكانية العودة إلى مسار تفاوضي أكثر استقراراً خلال المرحلة المقبلة.
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد وجه انتقادات حادة إلى باريس، معتبراً أن المسؤولين الفرنسيين فقدوا المصداقية الأخلاقية والسياسية عندما التزموا الصمت تجاه الهجمات التي تعرضت لها مدن إيرانية خلال المواجهات العسكرية الأخيرة، قبل أن يعودوا للحديث عن حقوق الإنسان والالتزامات الدولية عندما تخدم هذه الملفات مصالحهم السياسية.
وفي رسالة نشرها باللغة الفرنسية عبر منصة “إكس”، اتهم بقائي فرنسا باتباع سياسة قائمة على الازدواجية، مشيراً إلى أن ما وصفه بـ”النفاق والخداع” لا يزال حاضراً بقوة في الثقافة السياسية الفرنسية.
واستشهد المسؤول الإيراني بمسرحية “طرطوف” الشهيرة للكاتب الفرنسي موليير، والتي تناولت شخصية المنافق الذي يختبئ خلف الشعارات الأخلاقية لتحقيق أهدافه الخاصة، في إشارة واضحة إلى أن طهران ترى أن باريس تستخدم ملف حقوق الإنسان والملف النووي كأدوات سياسية للضغط وليس انطلاقاً من مبادئ ثابتة.
وأكد بقائي أن الحكومة الفرنسية لم تُبدِ أي اعتراض أو إدانة واضحة عندما تعرضت مدن إيرانية لهجمات عسكرية أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، مضيفاً أن باريس اختارت الاصطفاف إلى جانب من وصفهم بالمعتدين، بينما تتحدث اليوم عن القانون الدولي وحقوق الإنسان بصورة انتقائية.
وتأتي هذه التصريحات بعد ساعات من موقف فرنسي جديد أعلن فيه وزير الخارجية جان نويل بارو أن بلاده ستعارض أي تحرك دولي يهدف إلى رفع العقوبات الأممية المفروضة على إيران ما لم تستجب طهران للمطالب المتعلقة ببرنامجها النووي.
كما تحدث الوزير الفرنسي عن ضرورة معالجة ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية والنفوذ الإقليمي لطهران، وهي قضايا تعتبرها القيادة الإيرانية شؤوناً سيادية لا تدخل ضمن أي مفاوضات دولية.
ويرى مراقبون أن الخلاف الحالي لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي، بل يعكس صراعاً أوسع حول طبيعة الدور الإيراني في المنطقة ومستقبل العلاقات بين طهران والعواصم الغربية بعد سنوات من التوتر والعقوبات.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت فرنسا باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية تشدداً في التعامل مع الملف الإيراني، إذ دعت مراراً إلى توسيع نطاق المفاوضات ليشمل الصواريخ الباليستية والسياسات الإقليمية، بينما تؤكد إيران باستمرار أن هذه الملفات غير قابلة للتفاوض.
وتعتقد طهران أن باريس تسعى إلى استغلال المتغيرات الإقليمية والضغوط الاقتصادية لفرض شروط جديدة عليها، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة في العلاقات الإيرانية الأمريكية.
وفي المقابل، ترى فرنسا أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران يجب أن يتضمن ضمانات إضافية تتجاوز الجانب النووي، بما يحد من مصادر التوتر في الشرق الأوسط ويحافظ على الأمن الإقليمي والدولي.
ويحذر خبراء من أن التصعيد المتبادل بين الجانبين قد ينعكس سلباً على فرص استئناف المسار الدبلوماسي خلال الفترة المقبلة، خصوصاً أن فرنسا تعد لاعباً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي وعضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي.
كما أن استمرار التوتر بين باريس وطهران قد يعرقل أي جهود دولية لإعادة بناء الثقة بين إيران والغرب، في وقت لا تزال فيه ملفات عديدة عالقة، من بينها العقوبات الاقتصادية وآليات الرقابة الدولية على البرنامج النووي ومستقبل التفاهمات الأمنية في المنطقة.
ويعتقد محللون أن الرسالة الإيرانية الأخيرة لم تكن موجهة إلى فرنسا فقط، بل إلى مجمل الدول الغربية التي تسعى إلى ربط رفع العقوبات بتنازلات إضافية من جانب طهران.
فمن وجهة النظر الإيرانية، فإن الدول الغربية لا تزال تتعامل مع الجمهورية الإسلامية بعقلية الضغوط والإملاءات، رغم المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو العلاقات الإيرانية الفرنسية مرشحة لمزيد من التوتر خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت باريس في الدفع نحو تشديد الضغوط السياسية والدبلوماسية على طهران، أو إذا اعتبرت إيران أن المواقف الفرنسية تتجاوز حدود الانتقاد السياسي إلى محاولة فرض وصاية على قراراتها السيادية.
وبينما تواصل الأطراف الدولية البحث عن صيغة جديدة للتعامل مع الملف الإيراني، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت لغة التصعيد الحالية ستتحول إلى أزمة دبلوماسية أوسع، أم أن المصالح المشتركة ستدفع الجانبين في نهاية المطاف إلى العودة لطاولة الحوار.










