جدل سياسي وأمني في واشنطن بشأن تزويد أنقرة بمحركات F110 وسط مخاوف مرتبطة بالعقوبات وسلاح روسيا
واشنطن – المنشر_الاخباري
أخطرت الإدارة الأميركية الكونغرس رسمياً بنيتها المضي في صفقة بيع محركات طائرات نفاثة من طراز F110 لصالح تركيا، بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار، في خطوة فجّرت جدلاً واسعاً داخل الدوائر السياسية في واشنطن، وأعادت إلى الواجهة ملف العلاقات الدفاعية الحساسة بين البلدين داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ووفق إشعار صادر عن وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2026، فإن الصفقة تشمل تزويد أنقرة بمحركات من إنتاج شركة “جنرال إلكتريك”، لاستخدامها في مشروع المقاتلة التركية المحلية “KAAN”، وهو أحد أبرز برامج التصنيع العسكري الذي تعمل عليه تركيا منذ سنوات بهدف تقليل اعتمادها على السلاح الغربي المستورد.
وتأتي الخطوة في وقت تتصاعد فيه التوترات داخل الكونغرس، خصوصاً بين مشرعين ديمقراطيين، الذين يعارضون بشدة أي توسع في التعاون العسكري مع أنقرة بسبب استمرار امتلاكها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وهو ما تعتبره واشنطن خرقاً مباشراً للعقوبات ومعايير التوافق داخل الناتو.
صفقة استراتيجية أم رسالة سياسية؟
تصف الإدارة الأميركية الصفقة بأنها ذات بعد استراتيجي مرتبط بإعادة ضبط العلاقات مع تركيا، الحليف المهم داخل الناتو، خاصة مع اقتراب قمة مرتقبة للحلف ستُعقد في أنقرة الشهر المقبل.
ويرى البيت الأبيض أن تعزيز التعاون الصناعي العسكري مع تركيا يمكن أن يسهم في تقوية التحالف الغربي في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأسود، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والتنافس المتزايد مع روسيا.
كما نقلت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى أنه “قد يتخذ خطوات ترضي أنقرة” في إشارة إلى إمكانية دعم مشاريع عسكرية أو تسهيلات تصدير دفاعي، دون أن يكشف تفاصيل إضافية.
الكونغرس يدخل على خط الاعتراض
رغم الموقف التنفيذي، يتمتع الكونغرس الأميركي بسلطة مراجعة الصفقات العسكرية الكبرى، حيث يملك مهلة تمتد إلى 15 يوماً لتقديم قرار اعتراض مشترك يمكنه وقف الصفقة، رغم أن هذا القرار قد يواجه فيتو رئاسياً في حال تمريره.
وتتمحور أبرز الاعتراضات حول استمرار تركيا في تشغيل منظومة S-400 الروسية التي اشترتها عام 2019، وهو ما أدى سابقاً إلى فرض عقوبات أميركية واستبعاد أنقرة من برنامج مقاتلات F-35.
ويؤكد عدد من النواب أن استمرار التعاون الدفاعي مع تركيا يرسل “إشارات خاطئة” في ظل ما يعتبرونه تقارباً عسكرياً غير مقبول مع موسكو.
وقال أحد أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس إن “تزويد أنقرة بتقنيات محركات متقدمة بينما تحتفظ بأنظمة روسية حساسة يمثل خطراً على الأمن القومي الأميركي وحلفائه”.
برنامج KAAN: طموح تركي لتصنيع مقاتلة محلية
تُعد صفقة المحركات جزءاً من مشروع المقاتلة التركية “KAAN”، الذي أطلقته أنقرة عام 2016 بهدف تطوير طائرة مقاتلة من الجيل الخامس قادرة على منافسة الطائرات الغربية.
ويُنظر إلى البرنامج على أنه حجر أساس في استراتيجية تركيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، خاصة بعد تعرضها في السنوات الماضية لقيود وتجميد صفقات سلاح من جانب بعض الدول الغربية.
لكن خبراء عسكريين يشيرون إلى أن المشروع ما يزال في مراحله التطويرية، وأن الاعتماد على محركات أميركية يعكس استمرار الحاجة إلى التكنولوجيا الغربية في المدى القريب.
أزمة S-400 تعيد التوتر إلى الواجهة
أزمة شراء تركيا لمنظومة S-400 الروسية ما تزال تشكل نقطة خلاف رئيسية مع واشنطن، إذ تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً مباشراً لقدرات الناتو الدفاعية، خصوصاً بسبب مخاوف من إمكانية تسريب بيانات حساسة عن الطائرات الغربية.
وقد أدى هذا الخلاف سابقاً إلى فرض عقوبات بموجب قانون “كاتسا” الأميركي، بالإضافة إلى إخراج تركيا من برنامج تطوير مقاتلات F-35، ما تسبب في تدهور ملحوظ في العلاقات الدفاعية بين البلدين خلال السنوات الماضية.
انقسام سياسي داخل واشنطن
الصفقة الجديدة تكشف انقساماً واضحاً داخل المؤسسة السياسية الأميركية بين من يرى ضرورة الحفاظ على تركيا كشريك استراتيجي داخل الناتو، وبين من يعتبر أن سياساتها الدفاعية الحالية تتعارض مع المصالح الأميركية طويلة الأمد.
وبين هذا وذاك، يبقى القرار النهائي مرهوناً بتوازنات سياسية دقيقة داخل الكونغرس، وقدرة الإدارة الأميركية على الدفاع عن الصفقة بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب التحالفات في مرحلة دولية شديدة التعقيد.
وفي ظل هذا الجدل، تبدو صفقة محركات الطائرات أكثر من مجرد عقد عسكري، بل اختباراً جديداً لطبيعة العلاقة الأميركية–التركية وحدودها في ظل عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب العسكري والسياسي.










