نائب الرئيس الأميركي يقارن بين نكسون وترامب ويتهم مؤسسات نافذة بتسييس الأزمات… وإشارات مثيرة للجدل حول “الدولة العميقة”
واشنطن – المنشر_الاخباري
في تصريحات مثيرة للجدل أعادت فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في التاريخ السياسي الأميركي، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن فضيحة ووترغيت، التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي، “لن تكون اليوم أكثر من خبر عاجل يستمر 12 ساعة قبل أن يختفي من دورة الأخبار”.
جاءت تصريحات فانس خلال كلمة ألقاها في مكتبة الرئيس الأسبق نيكسون، حيث قدّم قراءة غير تقليدية لإرث الأخير، واصفاً إياه بأنه “عبقري سياسي” وأن سمعته “تعيش مرحلة إعادة تقييم إيجابية داخل الأوساط السياسية الأميركية”.
لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل في خطابه لم يكن إشادته بنيكسون، بل المقارنة المباشرة التي عقدها بينه وبين الرئيس السابق دونالد ترامب، إذ اعتبر أن كليهما كانا “هدفاً لمؤسسات نافذة داخل الدولة الأميركية”، في إشارة إلى ما وصفه بـ“الدولة العميقة”.
إعادة قراءة ووترغيت
أعاد فانس تفسير واحدة من أكثر الفضائح السياسية توثيقاً في التاريخ الأميركي، معتبراً أن سقوط نيكسون لم يكن فقط نتيجة انتهاكات دستورية أو سياسية، بل أيضاً نتيجة “صراع داخل أجهزة الدولة ومراكز النفوذ”.
وقال إن فكرة أن ووترغيت كانت ستنهي رئاسة اليوم “غير واقعية”، في ظل التحول الكبير في بيئة الإعلام وسرعة تداول الأخبار وتشتت الانتباه العام، مضيفاً أن “الرأي العام لم يعد يحتفظ بالاهتمام بالقضايا السياسية لفترة طويلة كما كان في السابق”.
هذا الطرح يتناقض مع السردية التقليدية التي تعتبر ووترغيت نموذجاً لنجاح النظام الأميركي في محاسبة السلطة التنفيذية، بعدما أدت التحقيقات الصحفية والكونغرسية إلى استقالة نيكسون عام 1974 لتجنب مساءلته وعزله.
مقارنة مباشرة مع ترامب
في جزء آخر من خطابه، ذهب فانس إلى أبعد من ذلك، حين ربط بين تجربة نيكسون والرئيس السابق دونالد ترامب، قائلاً إن “نفس المؤسسات التي استهدفت نيكسون حاولت لاحقاً استخدام أدوات مشابهة ضد ترامب خلال ولايته الأولى”.
وأشار إلى تحقيقات سياسية وقضائية طالت ترامب، بما في ذلك قضايا العزل ومحاكمات مرتبطة بسلوكه السياسي، معتبراً أنها تندرج ضمن “نمط متكرر من الصراع بين الرئيس والمؤسسات الراسخة في واشنطن”.
هذه المقاربة تعكس سردية سياسية باتت تتكرر داخل بعض الأوساط المحافظة في الولايات المتحدة، والتي ترى أن أجهزة الدولة والإعلام لعبت دوراً سياسياً مباشراً في مواجهة ترامب، وليس فقط دوراً رقابياً محايداً.
الدولة العميقة في قلب الخطاب
استخدام فانس لمصطلح “الدولة العميقة” شكّل محوراً رئيسياً في الجدل الذي أثارته تصريحاته، إذ يشير المصطلح عادة إلى شبكات غير منتخبة داخل الحكومة أو الأجهزة الأمنية والاستخباراتية يُعتقد أنها تؤثر في القرار السياسي بشكل غير مباشر.
ورغم عدم وجود تعريف قانوني دقيق لهذا المفهوم، إلا أنه أصبح جزءاً من الخطاب السياسي الأميركي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في سياق الانقسام الحاد بين التيارات السياسية.
فانس استخدم هذا المفهوم ليؤكد أن ما جرى مع نيكسون وتكرر لاحقاً مع ترامب “ليس أحداثاً منفصلة، بل نمطاً سياسياً واحداً يعكس صراعاً أعمق داخل الدولة الأميركية”.
ووترغيت بين التاريخ والجدل
فضيحة ووترغيت بدأت عام 1972 بعد اقتحام مقر الحزب الديمقراطي في مجمع ووترغيت بواشنطن من قبل عناصر مرتبطة بحملة إعادة انتخاب نيكسون.
ومع اتساع التحقيقات، كشفت الصحافة ولجان الكونغرس عن سلسلة من عمليات التجسس السياسي وإساءة استخدام السلطة، ما أدى في النهاية إلى بدء إجراءات عزل ضد نيكسون قبل أن يختار الاستقالة.
ويُنظر إلى تلك الواقعة تاريخياً باعتبارها لحظة مفصلية أثبتت قدرة النظام الأميركي على محاسبة أقوى منصب تنفيذي في البلاد.
لكن خطاب فانس يسعى إلى إعادة تفسير هذه اللحظة، ليس باعتبارها نموذجاً للرقابة الديمقراطية، بل كنتاج لصراع سياسي ومؤسساتي أكثر تعقيداً.
ردود فعل متوقعة
تصريحات نائب الرئيس الأميركي مرشحة لإثارة نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً أنها تمس واحدة من أكثر الروايات رسوخاً في التاريخ السياسي الأميركي.
ويرى منتقدون أن هذا النوع من الخطاب يقلل من أهمية المساءلة الدستورية ويعيد صياغة أحداث تاريخية مثبتة بما يخدم تفسيرات سياسية معاصرة، في حين يعتبره مؤيدوه محاولة لإعادة تقييم التاريخ الأميركي من زاوية مختلفة.
سياق سياسي أوسع
تأتي هذه التصريحات في مرحلة تشهد فيها الولايات المتحدة استقطاباً سياسياً حاداً، حيث تتداخل الملفات القضائية والإعلامية مع الصراع الحزبي، وتتصاعد النقاشات حول حدود سلطة الرئيس ودور المؤسسات الرقابية.
وفي هذا السياق، يعكس خطاب فانس محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة، مع إبراز فكرة أن الصراع السياسي في واشنطن لم يعد مجرد خلافات تقليدية، بل مواجهة بين رؤى متناقضة لطبيعة النظام نفسه.










