بين إشراف أميركي مباشر، وملف السلاح، و”المناطق التجريبية”، تتجه التفاهمات الجديدة نحو أخطر مرحلة منذ توقيعها وسط مخاوف من انهيار مبكر
بيروت – المنشر_الاخباري
من الاتفاق إلى الأرض.. بداية المرحلة الأصعب
يدخل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ الإعلان عنه، مع بدء الانتقال من التفاهمات السياسية العامة إلى التنفيذ الميداني في جنوب لبنان، حيث تتداخل الحسابات الأمنية والعسكرية مع التعقيدات السياسية الداخلية والإقليمية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المرحلة الحالية لا تتعلق فقط بتثبيت وقف التصعيد، بل بإعادة تشكيل الواقع الأمني على الحدود الجنوبية، بما يشمل إعادة انتشار القوات، وإطلاق ترتيبات ميدانية جديدة تحت إشراف دولي.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها اختبارًا عمليًا لقدرة الأطراف على الالتزام بالاتفاق، في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات متكررة وتوترًا مستمرًا.
“اتفاق إطاري” بملامح غير مكتملة
رغم الطابع التقدمي للاتفاق، إلا أنه لا يزال في إطار عام يحدد المبادئ الأساسية دون الدخول في تفاصيل التنفيذ النهائية، وهو ما يترك مساحة واسعة للتأويل السياسي والميداني.
ويشير هذا الإطار إلى نية الانتقال التدريجي نحو تهدئة طويلة الأمد، تبدأ من نقاط محددة في الجنوب، على أن تُبنى عليها لاحقًا ترتيبات أوسع تشمل الحدود والعلاقة الأمنية بين الجانبين.
لكن غياب آليات تنفيذ واضحة ومُلزمة بشكل كامل يجعل الاتفاق عرضة للاهتزاز، خصوصًا عند أول اختبار ميداني جدي.
ملف السلاح.. العقدة المركزية في المسار
يظل ملف سلاح حزب الله محور الجدل الأساسي في الاتفاق، إذ تعتبره أطراف دولية شرطًا جوهريًا لنجاح أي ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني.
وتقوم الرؤية المطروحة على فكرة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لإعادة ضبط الحدود وتهيئة الأرضية لأي انسحابات أو تفاهمات لاحقة.
في المقابل، يرى مراقبون أن هذا الملف شديد الحساسية داخليًا، ويرتبط بتوازنات سياسية وأمنية داخل لبنان، ما يجعل معالجته تدريجيًا أمرًا معقدًا وغير مضمون النتائج على المدى القصير.
المناطق التجريبية.. مختبر التنفيذ الفعلي
من أبرز عناصر الاتفاق اعتماد “مناطق تجريبية” في جنوب لبنان، تُعد المرحلة الأولى لتطبيق التفاهمات على الأرض بشكل تدريجي ومراقب.
وتقوم هذه الآلية على انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة، مقابل تولي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها، تحت إشراف أميركي مباشر وآليات متابعة دولية.
وتُعتبر هذه المناطق بمثابة اختبار عملي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية، وكذلك لمدى التزام الأطراف الأخرى بعدم خرق التفاهمات خلال فترة التنفيذ.
وفي حال نجاح هذه التجربة، يُتوقع توسيعها لتشمل مناطق إضافية، بينما قد يؤدي الفشل إلى تجميد المسار أو إعادة التفاوض من جديد.
الدور الأميركي.. إشراف يتجاوز الوساطة التقليدية
يلعب الدور الأميركي في هذا الاتفاق مستوى متقدمًا من الإشراف، يتجاوز الوساطة السياسية التقليدية إلى متابعة ميدانية وآليات رقابة على التنفيذ.
ويُتوقع أن يشمل هذا الدور تنسيقًا مباشرًا بين الأطراف المعنية، إضافة إلى متابعة أداء الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، والتأكد من التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق.
لكن هذا الانخراط يثير نقاشًا داخليًا حول طبيعة السيادة وحدود التدخل الخارجي في إدارة الملفات الأمنية الحساسة داخل لبنان.
الحسابات الإسرائيلية.. أمن الشمال أولًا
من الجانب الإسرائيلي، يرتبط تنفيذ الاتفاق بشكل مباشر بمفهوم “الأمن الكامل” في الشمال، حيث تُربط أي خطوات انسحاب أو تهدئة بوقف أي تهديدات محتملة عبر الحدود.
وتعتبر إسرائيل أن نجاح الاتفاق مرهون بقدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة ومنع أي نشاط عسكري غير نظامي في الجنوب، باعتبار ذلك الشرط الأساسي للاستمرار في المسار السياسي.
كما تُبقي تل أبيب على خيار إعادة التصعيد قائمًا في حال فشل الترتيبات الأمنية أو حدوث خروقات ميدانية.
الجيش اللبناني أمام اختبار القدرة والسيطرة
يُنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره الطرف الأكثر حساسية في تنفيذ الاتفاق، إذ يُطلب منه الانتشار في مناطق كانت لسنوات خارج سيطرة الدولة المباشرة الكاملة.
ويتمثل التحدي الأساسي في قدرته على فرض الاستقرار ومنع أي تصعيد، بالتوازي مع إدارة وجود متعدد الأطراف على الأرض، بما في ذلك إشراف خارجي وضغوط سياسية داخلية.
ويُعتبر نجاح هذه المهمة عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل الاتفاق ككل.
سيناريوهات مفتوحة على احتمالات متناقضة
تُظهر التطورات أن الاتفاق لا يسير في خط مستقيم، بل في مسار اختبار متدرج قد يقود إلى أحد سيناريوهين رئيسيين: إما تثبيت تهدئة طويلة الأمد تمهّد لتفاهمات أوسع، أو انهيار مبكر يعيد المنطقة إلى مربع التوتر.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى المرحلة الحالية هي الأكثر حساسية، حيث تتداخل فيها العوامل الميدانية مع الحسابات السياسية الإقليمية والدولية.
ويبقى الجنوب اللبناني هو ساحة الحسم الفعلية، حيث ستحدد نتائج التنفيذ شكل المرحلة المقبلة في كامل المشهد الحدودي.












