في قراءة معمقة للمشهد الفلسطيني الراهن وتعقيدات ما بعد الحرب، أكد الدكتور بشارة بحبح، رئيس مجلس العرب الأمريكيين للسلام، أن القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، تتمسك بضرورة وجود “مسار سياسي واضح” لا يجزئ الجغرافيا ولا يغفل الثوابت. وشدد بحبح، في حديث تلفزيوني عبر “تلفزيون فلسطين”، على أن الرؤية الفلسطينية تتركز حول قيام دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، مع التأكيد الصارم على مبدأ “سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد”.
“غزة والضفة وحدة لا تتجزأ”
أوضح بحبح أن أزمة قطاع غزة لا يمكن فكفكتها بمعزل عن إعادة التوحيد السياسي والجغرافي الكامل للوطن. واعتبر أن وجود أي تشكيلات عسكرية خارج مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية لا يشكل عقبة أمام بسط السيادة فحسب، بل يمثل عائقاً جوهرياً أمام مشاريع إعادة الإعمار الضرورية للقطاع.
وفي سياق اتصالاته، أشار بحبح إلى أن حركة “حماس” تبحث فعلياً عن مخرج من الوضع الكارثي الراهن، وقد أبدت موافقة مبدئية على أفكار تتعلق بتجميد سلاحها أو تخزينه بعيداً عن القطاع.
إلا أن العقبة تكمن في الموقف الأمريكي والإسرائيلي الذي يشترط “تصفير” الوجود العسكري للحركة كلياً، وهو ما يجعل المقترحات التي قدمتها حماس -كهدنة طويلة الأمد مقابل وقف التسلح- غير مقبولة في أروقة واشنطن وتل أبيب، التي تصر على حصر دور الحركة في الإطار السياسي فقط ضمن النظام الفلسطيني العام.
رسالة للفلسطينيين: “البندقية هي البقاء”
وفي رسالة مباشرة، كشف بحبح أنه نقل سابقاً لحماس نصيحة بضرورة الانخراط في العمل السياسي كحزب يخوض الانتخابات، مؤكداً أن “بندقية الفلسطيني الحقيقية اليوم هي بقاؤه وصموده على أرضه”.
وأضاف: “هذا لا يعني الاستسلام، بل يعني إدراك موازين القوى في مواجهة الترسانة الإسرائيلية”. كما شدد بحبح على رفضه المطلق لأي سيناريوهات تهجير قسري، مؤكداً أن التمسك بالأرض هو السلاح الأقوى لإجبار إسرائيل على الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
واشنطن وانشغالاتها الإقليمية
انتقد بحبح الصمت الأمريكي تجاه التوسع الإسرائيلي الميداني، لا سيما في المناطق التي تسميها إسرائيل “الخط الأصفر” داخل غزة، مؤكداً أن تل أبيب استغلت انشغال الإدارة الأمريكية بالصراع مع إيران لتوسيع سيطرتها. وشدد على أن اتفاقات وقف إطلاق النار يجب أن تكون ملزمة للطرفين بالتساوي، مستنكراً الطلب من الفلسطينيين الالتزام بجميع بنود الاتفاق بينما تكتفي إسرائيل بتطبيق ما يناسبها منها.
توقع بحبح أن تشهد المرحلة الفاصلة حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية تصعيداً ميدانياً، خاصة مع صعود اليمين المتطرف.
وأكد أن اهتمام واشنطن بملف إعادة إعمار غزة، الذي يرتبط مباشرة بخطة الرئيس دونالد ترامب ومجلس السلام، سيبقى حاضراً، لكنه لن يصل إلى مرحلة الانفراج الحقيقي قبل اتضاح الخارطة السياسية في إسرائيل.
تحديات الإصلاح والوحدة
وفيما يخص البيت الداخلي الفلسطيني، أشار بحبح إلى أن عملية الإصلاح السياسي مستمرة، وأن الخطوة الختامية والمفصلية هي إجراء انتخابات وطنية. ويرى أن تزامن الانتخابات الفلسطينية مع نظيرتها الإسرائيلية قد يشكل نافذة لتركيز أمريكي أكبر على الملف الفلسطيني.
وفي ختام حديثه، حذر من أي مخططات تهدف لفصل غزة عن الضفة الغربية، مشدداً على أن هذه الوحدة هي “خط أحمر” لا يمكن تجاوزه.
وختم بحبح بأن المرحلة المقبلة تستوجب وحدة قرار فلسطيني، ووضوحاً في المسار السياسي، مع ضرورة الحصول على ضمانات دولية جدية تكبح جماح اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتربط بشكل قاطع بين إعمار غزة وحل سياسي شامل ينهي الاحتلال ويحقق التطلعات الوطنية المشروعة.










