الخارجية الإيرانية تؤكد أن مرحلة ما بعد المرشد الراحل لن تغيّر ثوابت السياسة الخارجية، وسط مراسم تشييع ضخمة ورسائل سياسية مشحونة إلى واشنطن وتل أبيب
طهران – المنشر_الاخباري
دخلت إيران، اليوم السبت، مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد الإعلان الرسمي عن وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث أكدت وزارة الخارجية أن البلاد ستواصل السير على النهج الذي وُصف بـ“المؤسس للسياسة الخارجية الإيرانية الحديثة”، في إشارة إلى استمرار الخط الاستراتيجي القائم على المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتعزيز مبدأ “الاستقلال الكامل في القرار السياسي”.
وجاء هذا الموقف في بيان رسمي صدر بالتزامن مع انطلاق مراسم تشييع حاشدة في العاصمة طهران، شاركت فيها وفود داخلية وخارجية، وسط إجراءات أمنية مشددة وانتشار واسع لقوات الحرس الثوري في محيط العاصمة ومواقع التجمع الرئيسية.
وقالت الخارجية الإيرانية في بيانها إن “السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية ستبقى ملتزمة بمبادئ الكرامة الوطنية والاستقلال السياسي ومقاومة الضغوط الخارجية”، مؤكدة أن “إرث المرشد الراحل سيظل المرجع الأساسي في إدارة علاقات إيران مع العالم”.
وأضاف البيان أن خامنئي “لم يكن مجرد قائد سياسي، بل رمزاً لمرحلة كاملة من الصراع من أجل تثبيت موقع إيران في النظام الدولي”، على حد وصفه، مشيراً إلى أن طهران ستواصل ما تعتبره “مسار المقاومة” في مواجهة ما تسميه “الهيمنة الغربية”.
وتزامن البيان مع مراسم تشييع رسمية ضخمة في طهران، وُصفت بأنها واحدة من أكبر التجمعات السياسية والدينية في البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث احتشدت جموع غفيرة من المواطنين، إلى جانب شخصيات سياسية وعسكرية ودبلوماسية، فيما رُفعت صور للمرشد الراحل وشعارات تؤكد “استمرار النهج وعدم التراجع”.
وشهدت المراسم كلمات رسمية من مسؤولين حكوميين وقادة في الحرس الثوري، شددت جميعها على أن “إيران لن تغيّر اتجاهها الاستراتيجي”، وأن المرحلة القادمة ستشهد “تعزيزاً أكثر صلابة لمواقف البلاد في الملفات الإقليمية والدولية”.
وفي موازاة ذلك، اعتبرت أوساط سياسية في طهران أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل غياب شخصية كانت تمتلك تأثيراً مباشراً في رسم التوازنات الداخلية والخارجية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول شكل القيادة في المرحلة المقبلة.
ورغم التأكيدات الرسمية على الاستمرارية، يرى مراقبون أن وفاة خامنئي قد تفتح الباب أمام إعادة توزيع غير معلنة لمراكز النفوذ داخل النظام السياسي الإيراني، خاصة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والحكومة التنفيذية، وهو ما قد ينعكس على أسلوب إدارة السياسة الخارجية حتى وإن بقيت ثوابتها العامة دون تغيير.
في هذا السياق، شددت وزارة الخارجية على أن إيران “ستواصل الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في المنطقة”، وأنها “لن تخضع لأي شكل من أشكال الابتزاز السياسي أو الاقتصادي”، في إشارة مباشرة إلى الولايات المتحدة والعقوبات الغربية المفروضة على البلاد منذ سنوات.
كما جدد البيان الإيراني التأكيد على أن “أمن المنطقة يجب أن يكون بيد دولها”، رافضاً أي تدخل خارجي، ومعتبراً أن الوجود العسكري الغربي في الخليج والشرق الأوسط “عامل زعزعة استقرار وليس أداة أمن”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني، والتوتر في مضيق هرمز، إضافة إلى المواجهات غير المباشرة في أكثر من ساحة إقليمية تشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وفي واشنطن، تتابع الإدارة الأميركية التطورات في طهران عن كثب، وسط تقديرات بأن المرحلة الانتقالية قد تفتح نافذة لإعادة رسم بعض قواعد الاشتباك في العلاقة مع إيران، سواء نحو التصعيد أو نحو إعادة التفاوض، بحسب ما ستفرزه موازين القوى الداخلية في طهران.
أما في إسرائيل، فقد سادت حالة ترقب حذر، حيث يرى مسؤولون أمنيون أن غياب شخصية بحجم خامنئي قد يؤدي إلى “مرحلة غير متوقعة” في سلوك السياسة الإيرانية، سواء باتجاه التشدد أو إعادة التموضع، ما يستدعي – بحسب تقديراتهم – مراقبة دقيقة لكل التحركات الإيرانية في الإقليم.
وفي الشارع الإيراني، تباينت ردود الفعل بين حالة حزن رسمي واضحة داخل المؤسسات، وبين تساؤلات شعبية حول مستقبل الاقتصاد والسياسة الخارجية، في ظل استمرار العقوبات الدولية وتحديات داخلية تتعلق بالمعيشة والبطالة والتضخم.
ويرى محللون أن التحدي الأكبر الذي سيواجه القيادة الإيرانية المقبلة لن يكون فقط في الحفاظ على الإرث السياسي للمرشد الراحل، بل في كيفية التوفيق بين الحفاظ على الخط الأيديولوجي الصارم وبين متطلبات الواقع الاقتصادي والسياسي المتغير.
وبينما تؤكد طهران أن “المرحلة الجديدة هي امتداد طبيعي لما قبلها”، فإن المؤشرات الإقليمية والدولية توحي بأن إيران تدخل فعلياً مرحلة إعادة اختبار شاملة لموقعها ودورها في النظام العالمي، في لحظة فارقة قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط لسنوات قادمة.










