الرئيس التركي يؤكد دعم التهدئة بين واشنطن وطهران بعد اتفاق إسلام آباد، ويهاجم السياسات الإسرائيلية ويحذر من محاولات تعطيل الاستقرار الإقليمي
انقرة – المنشر_الاخباري
في موقف جديد يعكس استمرار الخطاب التركي الداعي إلى “إقليمية الحلول” في الشرق الأوسط، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن أي تسوية لا تنبع من دول المنطقة ولا تأخذ في الاعتبار توازناتها الداخلية لن تكون قابلة للاستمرار، مهما بدت ناجحة في لحظتها الأولى.
وقال أردوغان في تصريحات حديثة إن التجربة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية أثبتت أن الحلول المفروضة من الخارج غالباً ما تنتج هدوءاً مؤقتاً يعقبه انفجار جديد للأزمات، بسبب تجاهلها طبيعة النزاعات المعقدة وتشابك المصالح بين القوى الإقليمية. وأضاف أن “السلام الحقيقي لا يُستورد، بل يُبنى داخل المنطقة وبإرادة شعوبها ودولها”.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تعليق أردوغان على التطورات الأخيرة المرتبطة بالاتفاق السياسي بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أُطلق عليه إعلامياً “اتفاق إسلام آباد”، حيث اعتبر الرئيس التركي أن هذا المسار التفاوضي يمثل خطوة إيجابية ساهمت في تخفيف التوترات الدولية، خاصة في ظل المخاوف من توسع الأزمات في الشرق الأوسط إلى صدامات أوسع.
وأوضح أردوغان أن “العالم تنفس الصعداء” مع هذا الاتفاق، في إشارة إلى الانعكاسات المباشرة لأي تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران على أسواق الطاقة والممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الشرايين الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس التركي أن بلاده تدعم كل المبادرات التي تهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشيراً إلى أن أنقرة تنظر بإيجابية إلى أي خطوات دبلوماسية من شأنها تعزيز الاستقرار وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة. ولفت إلى أن الحلول العسكرية أو الأحادية لم تعد قادرة على إدارة تعقيدات المشهد الإقليمي.
كما أشار أردوغان إلى أن تركيا تتابع عن كثب كل التحركات التي قد تؤدي إلى تقويض التفاهمات القائمة أو تعطيل مسار التهدئة، محذراً من وجود أطراف تسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم لخدمة مصالحها السياسية أو الاستراتيجية. وقال إن “إعادة إنتاج الأزمات في الشرق الأوسط لن تخدم أي طرف، بل ستزيد من هشاشة الأمن الإقليمي والدولي”.
وفي لهجة سياسية حادة، وجّه الرئيس التركي انتقادات مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية، محذراً من أنها قد تسهم في إعادة إشعال بؤر التوتر في المنطقة إذا استمرت في سياساتها الحالية. وقال أردوغان إنه “لا ينبغي السماح للحكومة الإسرائيلية بأن تنشر مجدداً رائحة البارود والدماء في الشرق الأوسط”، في إشارة إلى تصاعد التوترات المرتبطة بعدة ملفات إقليمية.
وأضاف أن استمرار هذه السياسات من شأنه أن يعرقل أي جهود دولية أو إقليمية تهدف إلى بناء نظام استقرار طويل الأمد، مشدداً على أن الأمن لا يمكن فصله عن العدالة السياسية، وأن تجاهل حقوق الشعوب يؤدي دائماً إلى دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
ويرى مراقبون أن التصريحات التركية تأتي في لحظة إقليمية حساسة، تشهد فيها المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً بين القوى الكبرى، خصوصاً فيما يتعلق بملف العلاقات الأميركية الإيرانية، وأمن الممرات البحرية، وإعادة تشكيل منظومة النفوذ في الشرق الأوسط.
كما تعكس هذه التصريحات رغبة أنقرة في تعزيز موقعها كفاعل إقليمي رئيسي قادر على الجمع بين أطراف متناقضة، من خلال سياسة تقوم على التوازن بين العلاقات مع الغرب من جهة، والانفتاح على القوى الإقليمية مثل إيران ودول الخليج من جهة أخرى.
ويؤكد محللون أن الخطاب التركي في هذه المرحلة يركز على فكرة “الاستقلال الإقليمي في صناعة القرار”، في ظل تزايد القناعة داخل بعض العواصم الإقليمية بأن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لم يعد كافياً لضمان الاستقرار أو حماية المصالح الاستراتيجية.
وفي المقابل، تظل التحديات قائمة أمام أي مشروع استقرار إقليمي، بسبب تعدد ملفات النزاع الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، مروراً بسوريا والعراق، وصولاً إلى التنافس على الممرات البحرية والطاقة.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوترات، يبقى نجاح أي مسار سياسي مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية على تحويل التفاهمات إلى التزامات عملية، وهو ما شدد عليه أردوغان بشكل غير مباشر عندما أكد أن الحلول الخارجية وحدها لا يمكن أن تضمن السلام الدائم.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز دعوة تركيا مجدداً إلى إعطاء الدور الأكبر لدول المنطقة في إدارة أزماتها، باعتبارها الأكثر معرفة بتفاصيلها والأكثر تأثراً بنتائجها، في وقت يبدو فيه الشرق الأوسط أمام مرحلة إعادة تشكل جديدة لمعادلات القوة والنفوذ.










