أصبح جاي كلايتون، مرشح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على أعتاب تولي منصب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، بعدما تجاوز، يوم الاثنين، آخر عقبة إجرائية رئيسية في مجلس الشيوخ.
الخطوة الحاسمة تمهد الطريق أمام إجراء تصويت نهائي مرتقب للمصادقة الرسمية على تعيين كلايتون، وسط حالة من الاستقطاب الحاد ومعارضة ديمقراطية ملحوظة، فضلاً عن تحفظات متزايدة بشأن خلفيته وخبرته المباشرة في المجال الاستخباراتي، بحسب ما أفادت به مجلة “بوليتيكو”.
تصويت مجلس الشيوخ على كلايتون
وفي تفاصيل الجلسة، أفادت المجلة بأن مجلس الشيوخ صوّت بأغلبية 51 صوتاً مقابل 43 صوتاً للمضي قدماً في ترشيح كلايتون، وهو ما يفتح الباب أمام حسم توليه قيادة مجتمع الاستخبارات الوطنية في أقرب وقت ممكن، ربما خلال يوم الثلاثاء.
ولم ينضم أي عضو ديمقراطي إلى صفوف الجمهوريين في دعم ترشيح كلايتون، مما يعني أن وصوله المرتقب إلى هذا المنصب الرفيع سيتم بدعم أصوات الجمهوريين وحدهم، في انعكاس واضح لحالة الانقسام السياسي الحزبي في واشنطن.
وبمجرد إتمام المصادقة النهائية، سيتولى كلايتون -الذي يشغل حالياً منصب كبير المدعين في مكتب المدعي العام الأمريكي في مانهاتن، والرئيس الأسبق لهيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC)- مهام منصبه الجديد خلفاً للقائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية بيل بولت. كما سينضم رسمياً إلى تشكيلة حكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الديمقراطيون: بين الترحيب بالبديل والتحفظ على المواقف
رأت “بوليتيكو” أن هذا التطور يمثل، إلى حد ما، مكسباً سياسياً للديمقراطيين الذين سعوا منذ تعيين بيل بولت الشهر الماضي إلى استبداله، باعتباره من الشخصيات المقربة جداً لترمب ويفتقر تماماً لأي خلفية عميقة في مجال الأمن القومي.
لكن المجلة أشارت في المقابل إلى أن مسار المصادقة على تعيين كلايتون، الذي شهد العديد من التقلبات، أثار بدوره تحفظات جديدة وجدية لدى الديمقراطيين بشأن أهليته لتولي منصب بحساسية مدير الاستخبارات الوطنية، وهو ما تجسد بوضوح في نتائج تصويت الاثنين.
وأوضحت “بوليتيكو” أنه خلال جلسة المصادقة على تعيينه أمام لجنة مجلس الشيوخ قبل أسبوعين، رفض كلايتون الإقرار بصراحة بأن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد فاز بصورة عادلة في انتخابات عام 2020، وهو الموقف الذي دفع الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بالمجلس إلى التصويت ضد ترشيحه، ممثلاً تحولاً دراماتيكياً مقارنة بشهر يونيو الماضي، عندما أبدى الديمقراطيون تعاوناً مع الجمهوريين لتسريع إجراءات المصادقة عليه.
من هو جاي كلايتون؟.. مسيرة بين وول ستريت والادعاء الفيدرالي
مع اقتراب مجلس الشيوخ من حسم التصويت النهائي، تتجه الأنظار بقوة نحو جاي كلايتون، الذي يقترب من تولي أحد أكثر المناصب حساسية وخطورة في الإدارة الأمريكية. ورغم ذلك، فإن مسيرته المهنية الطويلة ارتبطت بشكل أساسي بالقانون والأسواق المالية أكثر من ارتباطها بالأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية، وهو ما جعل ترشيحه محط نقاش واسع وساخن في الدوائر السياسية بواشنطن.
وكلايتون متزوج من جريتشن كلايتون، المحامية المتخصصة في الامتثال والرقابة المالية، ويعرف عنه ابتعاده النسبي عن الأضواء الإعلامية، إذ أمضى الجزء الأكبر من حياته المهنية في القطاعين القانوني والمالي. وقد حصل على درجة البكالوريوس من جامعة بنسلفانيا، قبل أن ينال شهادة في القانون من كلية الحقوق بالجامعة نفسها.
وقبل دخوله إلى العمل الحكومي العام، أمضى عقوداً طويلة في العمل مع شركة المحاماة المرموقة “Sullivan & Cromwell”، حيث تخصص بشكل دقيق في عمليات الاندماج والاستحواذ، وأسواق المال، والحوكمة المؤسسية، مقدماً استشارات قانونية ومالية كبرى لكبرى المصارف والشركات العالمية.
وفي عام 2017، اختاره الرئيس ترمب رئيساً لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، حيث أشرف خلال فترة ولايته على تنظيم أسواق الأسهم، وتبنى نهجاً اعتبره مؤيدوه أكثر مرونة وتفهماً لقطاع الأعمال مقارنة بالإدارات الأمريكية السابقة. كما لعب دوراً محورياً في ملفات الاكتتابات العامة وحماية المستثمرين، وتولى مسؤوليات جسيمة لتنظيم الأسواق خلال مرحلة التقلبات العنيفة التي سبقت جائحة كورونا وخلال بدايتها.
وفي عام 2025، عُين مدعياً عاماً فيدرالياً للمنطقة الجنوبية من نيويورك (SDNY)، والذي يُعد أحد أبرز وأعرق مناصب الادعاء الفيدرالي في الولايات المتحدة، إذ أشرف من خلاله على ملفات بالغة التعقيد تشمل قضايا الإرهاب، والجرائم المالية الكبرى، وقضايا الفساد، ومخالفات الشركات والأسواق المالية.
توجهات الإدارة ورؤية ترامب لتقليص الأجهزة
يأتي هذا الترشيح في وقت أعلن فيه الرئيس ترامب، يوم الجمعة، رغبته الواضحة في تقليص حجم إدارة الاستخبارات الوطنية، موضحاً أنه يريد من مدير الاستخبارات الوطنية بالوكالة الجديد، بيل بولت، تقليص حجم المكتب، الذي سبق أن تم تقليصه بشكل كبير خلال ولايته الثانية.
ويُنظر إلى كلايتون عموماً باعتباره شخصية تحظى بثقة تامة من ترمب منذ فترة ولايته الأولى، لكنه في الوقت ذاته لا يُعد عضواً في الدائرة السياسية الضيقة المحيطة بالرئيس، حيث تستند خلفيته بصورة أساسية ورئيسية إلى عالم القانون والمال، بعيداً عن العمل الحزبي التقليدي أو العمل الإعلامي.
جدل الخبرة الاستخباراتية والاستقلالية السياسية
على الرغم من اقترابه الحثيث من تولي قيادة مجتمع الاستخبارات الأمريكي الضخم، إلا أن ترشيحه واجه موجة عارمة من الجدل لسببين رئيسيين، الأول: افتقاره المباشر للخبرة الاستخباراتية الميدانية أو المؤسسية مقارنة بالعديد من المرشحين السابقين لهذا المنصب الحساس.
والثاني أداؤه المثير للجدل خلال جلسة المصادقة في مجلس الشيوخ، وتحديداً رفضه الإقرار صراحة بأن بايدن فاز في انتخابات 2020، مكتفياً بالقول إن فوزه “تمت المصادقة عليه”، فضلاً عن مواجهته أسئلة حادة حول مذكرات استدعاء استهدفت صحفيين خلال فترة توليه منصب المدعي العام الفيدرالي.
في المقابل، يدافع مؤيدو كلايتون عنه باستماتة، ووصفوه بأنه قانوني متمرس وإداري محترف يتمتع بكفاءة عالية وخبرة واسعة في التعامل مع المعلومات شديدة الحساسية والتحقيقات المعقدة، معتبرين أنه يمتلك القدرة الإدارية على إدارة مؤسسة معقدة تضم عدداً كبيراً من الوكالات الأمنية المختلفة.
أما منتقدوه، فيصرون على أن خبرته الحقيقية تتركز في مجالي القانون والمال وليس في الاستخبارات، وأن إجاباته المتحفظة خلال جلسات الاستماع بالمجلس أثارت تساؤلات مشروعة بشأن استقلاليته السياسية الحقيقية، إضافة إلى المخاوف المستمرة المتعلقة بحرية الصحافة وحماية المصادر على خلفية بعض قراراته الأخيرة بصفته مدعياً عاماً فيدرالياً.










