دمشق تتحدث عن تفاهمات أمنية عبر وسطاء دوليين وتؤكد: لا نريد حرباً جديدة مع إسرائيل ولا تدخلاً عسكرياً في لبنان
دمشق –
في خطوة تحمل دلالات سياسية كبيرة، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن دمشق دخلت في مسار تفاوضي يهدف إلى الوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، مؤكداً أن هذا المسار قد يشكل مدخلاً نحو اتفاق سلام شامل في المستقبل إذا نجحت الترتيبات الأولية بين الطرفين.
وقال الشرع إن الاتصالات الجارية تتم عبر وساطات متعددة الأطراف، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية هو خفض التوتر، وضبط الحدود، ومنع اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بين سوريا وإسرائيل.
وأكد الرئيس السوري أن دمشق لا تبحث عن مواجهة مفتوحة مع تل أبيب، وأن الأولوية بالنسبة لها تتمثل في بناء ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الموقف السوري التاريخي تجاه هضبة الجولان التي تعتبرها سوريا أرضاً محتلة وتطالب باستعادتها.
وأضاف الشرع أن أي تفاهم أمني محتمل لا يعني تجاوز الملفات السياسية الكبرى، بل يمكن أن يكون خطوة تمهيدية لمعالجة القضايا العالقة ضمن مسار أوسع وأكثر شمولاً.
من العداء إلى التفاوض.. هل تتغير قواعد اللعبة؟
لطالما كانت العلاقة بين سوريا وإسرائيل واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث خاض الطرفان حروباً مباشرة، وبقيت الحدود بينهما لعقود تحت حالة توتر مستمر رغم فترات الهدوء النسبي.
ويرى مراقبون أن الحديث السوري عن اتفاق أمني يمثل تحولاً في الخطاب السياسي، خاصة مع التركيز على فكرة إدارة الخلافات عبر التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية.
ويشير محللون إلى أن أي اتفاق بين دمشق وتل أبيب لن يكون سهلاً، نظراً لحساسية الملفات المرتبطة بالسيادة، والوجود العسكري، والحدود، إضافة إلى موقف القوى الإقليمية التي تملك نفوذاً داخل الساحة السورية.
لكن في المقابل، فإن نجاح اتفاق أمني أولي قد يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في المنطقة، خصوصاً إذا حصل على دعم دولي وإقليمي واسع.
سوريا ترسل رسالة بشأن لبنان
وفي تطور مرتبط بالملف الإقليمي، أكد الشرع أن سوريا لن تتدخل عسكرياً في لبنان، مشدداً على أن مسؤولية الأمن والسلاح يجب أن تكون حصراً بيد الدولة اللبنانية.
وقال إن دمشق تدعم فكرة أن تكون المؤسسات الرسمية اللبنانية هي صاحبة القرار في الملفات العسكرية والأمنية، في موقف يعكس رغبة سورية في الابتعاد عن أي مواجهة مباشرة داخل الساحة اللبنانية.
ويأتي هذا الموقف وسط استمرار الجدل حول دور الجماعات المسلحة في لبنان، وعلى رأسها حزب الله، وطبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى التي تمتلك قدرات عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ويرى مراقبون أن موقف دمشق من لبنان قد يكون جزءاً من محاولة لإعادة تعريف دورها الإقليمي، عبر التأكيد على احترام سيادة الدول المجاورة وعدم فتح جبهات جديدة.
طريق السلام.. مليء بالعقبات
رغم التصريحات السورية، فإن الوصول إلى اتفاق سلام شامل بين سوريا وإسرائيل يبقى مرتبطاً بعوامل معقدة، أبرزها قضية الجولان، والضمانات الأمنية، ومستقبل العلاقات بين الطرفين.
كما أن أي اتفاق يحتاج إلى إجراءات عملية لبناء الثقة، وليس فقط تصريحات سياسية، خاصة بعد عقود من الصراع وانعدام الثقة.
ويعتقد خبراء أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من لغة الصراع إلى لغة التفاهمات السياسية.
فإذا نجحت الترتيبات الأمنية، فقد تشهد المنطقة بداية مرحلة جديدة تقوم على إعادة رسم التحالفات والعلاقات بين الدول، أما إذا فشلت، فقد تعود المنطقة سريعاً إلى دائرة التصعيد.
دمشق أمام خيار استراتيجي جديد
يحمل التحرك السوري رسائل تتجاوز مجرد اتفاق أمني محدود، إذ يعكس محاولة لإعادة تقديم سوريا كلاعب سياسي قادر على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
وبين الحفاظ على المطالب الوطنية والسعي إلى الاستقرار، تحاول دمشق رسم مسار جديد يقوم على تقليل الصدامات وفتح قنوات تفاوضية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يكون الاتفاق الأمني المحتمل مجرد خطوة لتهدئة مؤقتة، أم بداية لتحول تاريخي يعيد تشكيل علاقة سوريا بإسرائيل والمنطقة بأكملها؟
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التحركات تمثل بداية سلام جديد، أم مجرد جولة أخرى في مسار طويل من المفاوضات غير المكتملة.










