مهلة 30 سبتمبر تقترب.. الحكومة العراقية بين خيار الحوار ومواجهة نفوذ الفصائل المسلحة
بغداد – المنشر_الاخباري
يدخل العراق مرحلة سياسية وأمنية دقيقة مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة لحسم ملف حصر السلاح بيد الدولة، حيث بات الثلاثون من سبتمبر محطة اختبار حقيقية لرئيس الوزراء علي الزيدي وقدرته على تنفيذ أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد العراقي منذ سنوات.
ولا يرتبط هذا الملف فقط بوجود الفصائل المسلحة، بل يتداخل مع شبكة واسعة من الحسابات السياسية الداخلية، خاصة أن بعض القوى الداعمة للحكومة تمتلك في الوقت نفسه نفوذاً سياسياً وعلاقات مع جماعات مسلحة، الأمر الذي يجعل مهمة فرض سلطة الدولة أكثر صعوبة.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في هذا المسار سيكون مؤشراً على قدرة النظام السياسي العراقي على الانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة احتكار الدولة لقرار الأمن والسلم، بينما قد يؤدي الفشل إلى تعميق الانقسامات وإضعاف مؤسسات الدولة.
جذور ملف السلاح خارج الدولة
يرتبط انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية العراقية بمرحلة ما بعد عام 2003، حيث ظهرت جماعات مسلحة في ظل الاحتلال الأمريكي وتصاعد التهديدات الأمنية، ثم توسعت أدوارها بعد اجتياح تنظيم داعش مناطق واسعة من العراق عام 2014.
وفي تلك المرحلة، لعبت فصائل مسلحة دوراً في مواجهة التنظيم المتطرف، خصوصاً بعد صدور فتوى “الجهاد الكفائي”، التي ساهمت في تشكيل قوات الحشد الشعبي بمشاركة أطراف متعددة.
لكن مع تغير الظروف الأمنية وانحسار خطر داعش، عاد الجدل حول مستقبل هذه القوى المسلحة، وما إذا كانت الحاجة التي دفعت إلى تشكيلها ما زالت قائمة، أم أن المرحلة الحالية تتطلب دمج القدرات الأمنية ضمن مؤسسات الدولة فقط.
ويقول محللون إن جزءاً كبيراً من المجتمع العراقي أصبح يطالب بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، خصوصاً مع تكرار الأزمات الأمنية المرتبطة باستخدام أسلحة خارج إطار الدولة.
الحكومة تختار طريق الحوار
تواجه حكومة علي الزيدي معضلة دقيقة في التعامل مع الملف، إذ تسعى إلى تحقيق هدف حصر السلاح دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار السياسي.
ويؤكد مقربون من المشهد السياسي أن الحكومة تفضل اعتماد الحوار مع القوى والفصائل المسلحة، باعتبار أن الحل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد من حدة التوتر.
ويرى عضو المرصد الوطني للإعلام وائل الركابي أن معالجة الملف يجب أن تكون عبر “حوار عراقي – عراقي”، مشيراً إلى أن العراق يمتلك القدرة على الوصول إلى تسوية داخلية بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ويعتبر الركابي أن المبررات التي كانت تستخدم سابقاً للإبقاء على السلاح خارج المؤسسات الرسمية تغيرت، خصوصاً بعد انتهاء مرحلة الحرب على داعش وتحسن الوضع الأمني مقارنة بالسنوات الماضية.
دعم سياسي وتحديات داخلية
رغم إعلان عدد من القوى السياسية دعمها لحصر السلاح بيد الدولة، فإن الملف لا يزال يواجه اعتراضات من بعض الفصائل التي ترى أن تسليم السلاح في الوقت الحالي قد يضعف دورها الأمني والسياسي.
ويشير مراقبون إلى أن رئيس الوزراء يحتاج إلى تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على تحالفاته السياسية وبين تنفيذ تعهداته المتعلقة بتعزيز سلطة الدولة.
كما أن وجود أطراف داخل البيئة السياسية نفسها تمتلك ارتباطات بالفصائل المسلحة يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل أي خطوة حكومية بحاجة إلى توافق واسع لتجنب التصعيد.
اختبار لمستقبل العملية السياسية
من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية معتز النجم أن ملف حصر السلاح أصبح اختباراً مباشراً لمستقبل العملية السياسية العراقية، مشيراً إلى أن استمرار وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الرسمية قد يؤدي إلى أزمة أكبر على مستوى الدولة.
ويؤكد النجم أن العراق اليوم يختلف عن مرحلة السنوات السابقة، إذ لا يواجه احتلالاً مباشراً ولا يواجه تنظيم داعش بالقوة نفسها، وهو ما يطرح تساؤلات حول استمرار وجود السلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية.
ويحذر من أن عدم تحقيق تقدم في هذا الملف قد يؤدي إلى توقف العملية السياسية أو دخول البلاد في مرحلة جديدة من التوتر بين الحكومة والفصائل.
بين الضغوط الإقليمية والحسابات العراقية
لا ينفصل ملف السلاح العراقي عن التطورات الإقليمية، إذ تتعامل بغداد مع ضغوط من أطراف دولية وإقليمية تدعو إلى تعزيز سيطرة الدولة على القرار الأمني.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة العراقية أن أي خطوات في هذا الاتجاه يجب أن تكون نابعة من قرار وطني داخلي، وليس استجابة لإملاءات خارجية.
ويرى خبراء أن نجاح العراق في هذا الملف يحتاج إلى مسارين متوازيين؛ الأول سياسي يقوم على الحوار والتفاهم مع القوى المختلفة، والثاني قانوني يضمن تطبيق قرارات الدولة على جميع الأطراف.
ما بعد 30 سبتمبر
مع اقتراب انتهاء المهلة، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستتخذها حكومة الزيدي، وما إذا كانت ستتمكن من تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية.
ويرى محللون أن الخيار الأكثر واقعية قد يكون الانتقال التدريجي نحو دمج القدرات الأمنية ضمن مؤسسات الدولة، مع وضع آليات واضحة للرقابة والمحاسبة.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على بناء توافق داخلي واسع، ومنع تحول الملف إلى مواجهة بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة.
وفي النهاية، لا يمثل حصر السلاح في العراق مجرد ملف أمني، بل يعد اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة وقدرتها على فرض القانون وإنهاء تعدد مراكز القوة التي ظلت تؤثر في القرار العراقي لسنوات طويلة.











