في ردود فعل رسمية حاسمة تعكس مدى حدة التوتر المستمر بشأن أمن الموارد المائية، وجه وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، انتقادات شديدة اللهجة للتصريحات الصادرة عن مسؤولين إثيوبيين بشأن ما يسمى بـ”الحقوق السيادية” والحرية المطلقة في التصرف بمياه نهر النيل.
وجاءت هذه التصريحات خلال لقاء موسع عقده الوزير مع ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية، مساء أمس الأحد، لتوضيح الموقف المصري الثابت إزاء المشاريع الأحادية على الأنهار الدولية.
القانون الدولي والأنهار المشتركة مقابل المشاريع الداخلية
وأكد الوزير سويلم خلال اللقاء أن تشييد سد ضخم على نهر دولي يختلف جوهريا وبشكل تام عن تنفيذ أي مشروع خدمي أو إنشائي داخل الحدود الوطنية الخالصة لأي دولة.
وأوضح أن قواعد القانون الدولي تضع خطا فاصلا وواضحا بين الأعمال ذات السيادة الداخلية والمشروعات العابرة للحدود التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على مصالح دول أخرى تشترك في ذات المورد المائي.
وفي السياق ذاته، اعتبر الوزير أن مقارنة بناء سد النهضة بمشروعات محلية داخلية مثل إنشاء مدرسة أو مرافق عامة تعد مغالطة قانونية فادحة، نظرا لأن السد مقام على نهر دولي عابر للحدود تتقاسمه عشر دول، وليس على مسطح مائي داخلي يخص دولة المنبع وحدها.
وتساءل سويلم عن الأساس القانوني والمنطقي الذي تستند إليه إثيوبيا في الحديث عن “حقوق سيادية مطلقة” تتيح لها الانفراد بالتحكم في نهر مشترك، مشددا على أن هذه الطروحات تتجاهل تماما المبادئ المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية.
أرقام مقلقة تكشف حجم الضغوط المائية
واستعرض وزير الري بالأرقام واقع التحديات والضغوط المائية الهائلة التي تواجهها الدولة المصرية، مبمنا أن أكثر من 98% من إجمالي المياه المتجددة التي تعتمد عليها البلاد تأتي من خارج الحدود عبر النهر العابر.
وأشار إلى أن إجمالي الموارد المائية المتجددة في مصر يبلغ نحو 56.8 مليار متر مكعب سنويا، في حين تقدر الاحتياجات والطلبات الفعلية المائية بحوالي 123 مليار متر مكعب سنويا، مما يوضح حجم الفجوة الكبيرة بين المتاح والمطلوب.
وأضاف سويلم أن نصيب الفرد الواحد في مصر من الموارد المائية المتجددة ينخفض ليصل إلى نحو 472 مترا مكعبا سنويا، وهو معدل حرج يقع دون خط الندرة المائية المطلقة عالميا والبالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا، وهو ما يجعل أي مساس بحصة مصر المائية خطرا دهما على استقرار البلاد وأمنها الغذائي.
مصر قادرة على حماية مصالحها ولن تتكرر ظروف 2011
وفي رسالة حازمة، شدد وزير الري على أن مصر تنتهج استراتيجية واضحة قائمة على دعم السلام وتغليب الحلول الدبلوماسية والتفاوضية العادلة، إلا أنها في الوقت ذاته تملك القدرة الكاملة والجاهزية التامة لحماية مصالحها المائية الحيوية.
وحذر من أن القاهرة لن تسمح بتكرار الظروف والملابسات التي رافقت أزمة السد في عام 2011، مؤكدا أن الدولة تحتفظ بكافة الخيارات والإجراءات التي يكفلها لها القانون الدولي للدفاع عن أمنها المائي والوجودي.
ولفت إلى أن ضبط النفس وصبر الحكومة المصرية طوال السنوات الماضية جاءا في إطار السعي الصادق للوصول إلى اتفاق عادل ومتوازن يرضي جميع الأطراف، وليس تعبيرا عن قبول سياسة الأمر الواقع أو تفريطا في الحقوق التاريخية. وحذر صراحة من مغبة تفسير الصبر المصري فهما خاطئا باعتباره موافقة على التحكم الأحادي في شرايين الحياة المصرية.
مخاطر التشغيل الأحادي والتخزين غير المنسق
وحول الجوانب الفنية والتشغيلية، نوه الوزير إلى أن كون سد النهضة مخصصا لتوليد الطاقة الكهربائية لا يرفع عنه صفة التأثير السلبي المحتمل على دول المصب.
وأوضح أن الإشكالية الحقيقية لا تقتصر على الحصص المائية الثابتة فحسب، بل تتعلق ارتباطا وثيقا بجداول التوقيتات الخاصة بالتخزين، وعمليات الإطلاق، وقواعد التشغيل اليومية.
وبين سويلم أن التجارب العملية والخبرات الهندسية أثبتت أن التشغيل المنفرد وغير المنسق للسدود الكبرى يتسبب إما في زيادات مفاجئة وخطيرة في تدفقات المياه -وهو ما تسميه مصر بـ”الفيضان الصناعي” المرعب- أو في انخفاضات حادة في التدفقات تؤدي إلى “جفاف صناعي” يلحق أضرارا بالغة بالبنية الأساسية للمنشآت المائية في دول المصب.
وشدد على أن إدارة نهر دولي مشترك تقتضي بالضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التشغيل، وآليات تبادل البيانات والمعلومات بدقة، وإجراءات التعامل مع فترات الجفاف الممتعق ومراحل إعادة الملء، باعتبار ذلك ضرورة فنية وأمنية لا غنى عنها، وليس مجرد مطلب تفاوضي يمكن التنازل عنه.
واختتم بالتأكيد على أن الأمن المائي المصري يمثل “قضية وجودية” مطلقة، محذرا من أن بلاده لن تتحمل تبعات قرارات أحادية تعسفية خارج حدودها أو تقبل بفرض واقع جديد على حوض النهر الشرقي.









