اختبار السيادة يبدأ من الداخل.. دمشق تسعى لإنهاء تعدد القوى المسلحة وسط تحديات سياسية وأمنية معقدة
دمشق – المنشر_الاخباري
تدخل سوريا مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ مفهوم السيادة الأمنية، مع تصاعد التحركات الرامية إلى إنهاء ظاهرة تعدد القوى المسلحة ووضع جميع التشكيلات العسكرية ضمن إطار الدولة. ويأتي ملف حصر السلاح ودمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة كأحد أبرز الملفات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، في ظل استمرار النقاشات الداخلية والتجاذبات الإقليمية المرتبطة بمستقبل البلاد.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بالقرارات السياسية، بل بقدرة الحكومة السورية على إدارة مرحلة انتقالية معقدة تجمع بين متطلبات الأمن الداخلي، ومصالح المكونات المختلفة، والضغوط الدولية والإقليمية.
الدولة والسلاح.. طريق طويل نحو الاستقرار
يؤكد الباحث السياسي ياسر النجار أن السنوات الطويلة من الصراع جعلت مطلب الاستقرار أولوية لدى غالبية السوريين، مشيراً إلى أن إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة يمثل الخطوة الأساسية لاستعادة الأمن.
وأوضح أن ظهور العديد من التشكيلات المسلحة خلال سنوات الحرب كان مرتبطاً بظروف استثنائية، سواء لمواجهة تنظيم داعش أو التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد، إلا أن تغير الظروف يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها القرار العسكري والأمني بيد مؤسسات الدولة فقط.
وأضاف أن استمرار وجود قوى مسلحة مستقلة أو كيانات تمتلك نفوذاً عسكرياً وإدارياً منفصلاً قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار، ويمنع بناء دولة قادرة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية.
دمج “قسد”.. الملف الأكثر حساسية
يعد ملف قوات سوريا الديمقراطية من أكثر الملفات تعقيداً في مسار حصر السلاح، نظراً لطبيعة هذه القوات وتركيبتها وانتشارها الجغرافي في شمال وشرق سوريا.
ويشير الباحث في مركز الفرات للدراسات وليد الجولي إلى أن الاتفاقات السابقة فتحت الباب أمام خطوات عملية باتجاه دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، موضحاً أن المرحلة الحالية تتركز على التفاصيل التنظيمية والإدارية أكثر من الخلاف حول مبدأ الاندماج.
وبحسب الجولي، فإن بناء جيش وطني موحد يحتاج إلى معالجة ملفات متعددة، من بينها الهيكل التنظيمي، وآليات توزيع العناصر، وطبيعة التعامل مع الوحدات المختلفة، إضافة إلى دمج المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة.
تحديات سياسية أمام تنفيذ الاتفاقات
رغم وجود تأكيدات على أهمية حصر السلاح، فإن تنفيذ هذا الهدف يواجه عقبات داخلية، أبرزها اختلاف الرؤى بين الأطراف السورية حول شكل الدولة وآليات الانتقال.
ويرى مراقبون أن بعض القوى تخشى فقدان نفوذها السياسي والأمني في حال إنهاء التشكيلات المسلحة المستقلة، بينما ترى الحكومة أن توحيد القرار العسكري شرط أساسي لإعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
كما أن الملف السوري لا ينفصل عن الحسابات الإقليمية، إذ تتداخل فيه مصالح دول عدة تسعى إلى التأثير في شكل الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة.
دعم خارجي ومسؤولية داخلية
ويرى النجار أن مسألة حصر السلاح تحظى باهتمام إقليمي ودولي، إلا أن الحل النهائي يجب أن يكون سورياً بالدرجة الأولى، لأن أي ترتيبات مفروضة من الخارج قد تواجه صعوبات في التطبيق.
وأشار إلى أن قوة الدولة لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي، بل على قدرتها على بناء علاقة مستقرة مع المجتمع، وتوفير مؤسسات قادرة على حماية المواطنين وإدارة البلاد.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب حواراً واسعاً بين مختلف الأطراف السورية، بحيث يتم الانتقال من منطق القوى المسلحة المتعددة إلى مفهوم المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة.
بين الحوار والقانون.. خيارات دمشق
ويعتقد الجولي أن الحكومة السورية أمام خيارين متوازيين؛ الأول مواصلة الحوار للوصول إلى تفاهمات سياسية مع مختلف الأطراف، والثاني تطوير إطار قانوني واضح ينظم عملية دمج القوات وإنهاء أي وجود مسلح خارج الدولة.
ويحذر من أن استمرار الغموض في ملف السلاح قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية وتعدد الأطراف المؤثرة في الساحة السورية.
في المقابل، فإن نجاح عملية الدمج وحصر السلاح قد يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ سوريا الحديث، إذ يمكن أن يفتح الطريق أمام استقرار أمني أكبر، ويعزز فرص إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي والسياسي.
مرحلة حاسمة لمستقبل سوريا
يبقى ملف السلاح أحد أكبر الاختبارات أمام الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب. فبينما ترى السلطات أن توحيد القوة العسكرية ضرورة لبناء دولة مستقرة، تواجه في المقابل تحديات مرتبطة بتعدد القوى والمصالح والتدخلات الخارجية.
وبين الحوار السياسي والإجراءات القانونية، تبدو دمشق أمام مهمة دقيقة تتمثل في تحقيق التوازن بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على وحدة المجتمع، في مسار قد يحدد شكل سوريا خلال السنوات المقبلة.











