إسقاط ثلاث مسيّرات مفخخة فوق عاصمة كردستان يسلّط الضوء مجددًا على نفوذ الفصائل المسلحة وتعقيدات إخضاع السلاح للقرار الحكومي العراقي
بغداد – المنشر_الاخباري
أسقطت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ثلاث طائرات مسيّرة محملة بالمتفجرات فوق مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في هجوم جديد يعيد ملف السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة إلى صدارة المشهد العراقي، ويضع الحكومة في بغداد أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على وقف الهجمات وضبط نشاط الفصائل المسلحة.
وقالت المديرية العامة لمكافحة الإرهاب في إقليم كردستان إن قوات التحالف اعترضت ثلاث مسيّرات في أجواء أربيل خلال الساعات الأولى من صباح الجمعة، بين الساعة 2:17 و2:25 بالتوقيت المحلي، مشيرة إلى أن المسيّرات كانت محملة بالمتفجرات، وأن عملية الاعتراض لم تسفر عن وقوع خسائر بشرية.
ويأتي الهجوم في وقت يشهد فيه إقليم كردستان تصاعدًا في الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وسط اتهامات لإيران وجماعات مسلحة عراقية مرتبطة بها بالوقوف وراء جانب كبير من هذه العمليات.
وبحسب بيانات تتبع نقلتها شبكة «روداو»، تعرض إقليم كردستان لأكثر من 950 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب التي استمرت ستة أسابيع في أواخر فبراير. وأشارت البيانات إلى أن هذه الهجمات أوقعت 32 قتيلًا و154 جريحًا حتى أوائل أغسطس.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الأمني الذي تواجهه حكومة الإقليم، خصوصًا أن الهجمات لا تقتصر على هدف واحد أو منطقة محددة، بل تأتي ضمن سياق أوسع للتوتر الإقليمي، حيث تحولت الأراضي العراقية في أوقات مختلفة إلى ساحة لتبادل الرسائل والضربات بين قوى إقليمية ودولية.
أربيل في قلب التصعيد
تمثل أربيل نقطة حساسة في المعادلة الأمنية العراقية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي ووجود منشآت ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة والتحالف الدولي في المنطقة.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت مناطق مختلفة في إقليم كردستان لهجمات صاروخية وجوية، في وقت استهدفت فيه بعض العمليات جماعات كردية إيرانية معارضة.
وأشار التقرير إلى أن منطقة وادي ألانا تعرضت الأسبوع الماضي لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قالت التقارير إنها استهدفت الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحركة كومله.
وتضع هذه الهجمات حكومة بغداد أمام مسؤولية مزدوجة؛ فمن جهة، عليها حماية الأراضي العراقية ومنع استخدامها منصة لتنفيذ عمليات ضد دول أخرى، ومن جهة أخرى، يتعين عليها التعامل مع جماعات مسلحة تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب طبيعة العلاقة بين الدولة العراقية وهيئة الحشد الشعبي، التي تضم عددًا من الفصائل المسلحة ذات الصلات الوثيقة بإيران.
فصيل موالٍ لإيران ينفي المسؤولية
بعد الهجوم الأخير على أربيل، نفت كتائب سيد الشهداء مسؤوليتها عن إطلاق المسيّرات.
وقال كاظم الفرتوسي، المتحدث باسم الكتائب، إن الهجوم لم تنفذه جماعته، مشيرًا إلى وجود ما وصفه بـ«اتفاق جزئي» لوقف العمليات والهجمات، وتأجيل الرد على هجمات أخرى.
ويكتسب هذا النفي أهمية خاصة في ظل محاولة بغداد تحديد الجهات التي تقف وراء الهجمات، إذ إن تعدد الجماعات المسلحة واختلاف مواقفها يجعل من الصعب تحميل جهة واحدة مسؤولية جميع العمليات التي تستهدف إقليم كردستان.
وتعد كتائب سيد الشهداء واحدة من أبرز الفصائل العراقية المدعومة من إيران، إلى جانب كتائب حزب الله وغيرها من الجماعات المسلحة.
وتنضوي هذه الفصائل ضمن هيئة الحشد الشعبي، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا؛ فالحشد يتمتع بوضع قانوني ضمن مؤسسات الدولة العراقية، لكن بعض الفصائل المنضوية فيه تحتفظ بقدرات عسكرية وشبكات نفوذ مستقلة إلى حد كبير.
معركة حصر السلاح
تسعى الحكومة العراقية إلى وضع جميع الأسلحة والقوات المسلحة تحت سلطة الدولة، في إطار مساعيها لإعادة تنظيم الوضع الأمني ومنع أي جماعة من اتخاذ قرارات عسكرية بمعزل عن مؤسسات الدولة.
وتلقى هذه السياسة دعمًا من إقليم كردستان والولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى، خصوصًا في ظل تكرار الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية أو تستهدف مناطق داخل البلاد.
لكن تطبيق هذه السياسة على الأرض يواجه عقبات كبيرة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بجمع الأسلحة أو إعادة انتشار القوات، وإنما بإعادة ترتيب علاقة معقدة بين الحكومة والفصائل المسلحة التي تمتلك حضورًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا.
وتواجه بغداد كذلك سؤالًا أساسيًا حول كيفية التعامل مع الفصائل التي تعمل ضمن هيئة الحشد الشعبي، وفي الوقت نفسه تمتلك علاقات وتحالفات خارجية وتتبنى مواقف قد لا تتطابق دائمًا مع توجهات الحكومة المركزية.
كردستان تدعم خطة بغداد
من جانبها، تبدو سلطات إقليم كردستان أكثر استعدادًا للتعاون مع بغداد في ملف حصر السلاح، خاصة في ظل تعرض الإقليم المتكرر للهجمات.
ونقلت الصحيفة عن رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني قوله إن المنطقة تعرضت لنحو ألف هجوم باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وبحسب البيانات التي نقلتها «روداو»، تسببت الهجمات خلال الفترة الماضية في سقوط عشرات القتلى والجرحى.
ويعكس موقف أربيل رغبة في الوصول إلى حل سياسي وأمني يقلل من احتمالات المواجهة المباشرة مع الفصائل المسلحة، مع الاعتماد على بغداد لإعادة تنظيم الملف الأمني ووضع ضوابط أكثر صرامة على استخدام السلاح.
الحشد الشعبي يواصل الانتشار
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز سيطرتها على الفصائل، أعلنت هيئة الحشد الشعبي نشر اللواء 52 في منطقة أميرلي بمحافظة صلاح الدين شرقي العراق.
وقالت الهيئة إن عملية الانتشار تأتي في إطار إعادة تنظيم القطاعات والمسؤوليات الأمنية، وتعزيز التكامل والتنسيق بين القوات الموجودة على الأرض.
وتكشف هذه الخطوة عن طبيعة التحدي الذي تواجهه الحكومة العراقية؛ فالحشد الشعبي لا يزال جزءًا أساسيًا من المنظومة الأمنية العراقية، وتنتشر قواته في مناطق متعددة من البلاد، بينما تسعى بغداد في الوقت ذاته إلى ضمان أن يكون القرار العسكري النهائي بيد مؤسسات الدولة.
وقال مسؤولون عراقيون إن الحشد الشعبي مؤسسة دستورية وقانونية تمثل عنصرًا مهمًا في حركة القوات وانتشارها.
غير أن استمرار نشاط الفصائل المسلحة داخل إطار الحشد يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على تحقيق الفصل بين الدور الرسمي للحشد وبين القرارات المستقلة لبعض الجماعات المنضوية فيه.
اختبار جديد لبغداد
الهجوم الأخير على أربيل لا يمثل مجرد حادث أمني منفصل، بل يأتي في سياق أوسع من التوترات الإقليمية التي جعلت العراق ساحة محتملة للصراع بين أطراف متعددة.
فمنذ سنوات، تواجه بغداد ضغوطًا من أجل منع استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد القوات الأمريكية أو حلفائها، وفي المقابل تواجه ضغوطًا داخلية من قوى سياسية وفصائل مسلحة ترفض التخلي بسهولة عن نفوذها العسكري.
وتزداد حساسية الموقف مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يمكن لأي تصعيد إقليمي أن ينعكس سريعًا على الوضع الأمني في العراق.
وتحاول الحكومة العراقية الحفاظ على توازن دقيق بين حماية سيادة البلاد ومنع تحول أراضيها إلى ساحة للصراعات الإقليمية، وبين إدارة العلاقة مع قوى مسلحة تتمتع بنفوذ سياسي وشعبي وعسكري.
ومن هنا، فإن الهجمات المتكررة على أربيل تمثل اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة بغداد على تنفيذ تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وفي حال تمكنت الحكومة من فرض ترتيبات أمنية أكثر وضوحًا، فقد يشكل ذلك خطوة نحو تقليص قدرة الفصائل على تنفيذ عمليات مستقلة وحماية إقليم كردستان من الهجمات المتكررة.
أما استمرار الهجمات، فقد يعمق الانقسامات داخل العراق ويزيد الضغوط الدولية على بغداد، خصوصًا إذا تحولت الأراضي العراقية إلى منصة مستمرة للهجمات أو الردود العسكرية المتبادلة.
وبين أربيل وبغداد، تبدو معركة حصر السلاح أكبر من مجرد ملف أمني داخلي؛ فهي ترتبط بسيادة العراق، وتوازن القوى داخله، وعلاقاته مع إيران والولايات المتحدة، وقدرته على النأي بنفسه عن صراعات المنطقة.
وفي ظل استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت الحكومة العراقية ستتمكن من تحويل شعار «حصر السلاح بيد الدولة» إلى واقع فعلي، أم أن تعدد مراكز القوة سيواصل فرض نفسه على المشهد الأمني والسياسي في البلاد.










