طهران – المنشر_الاخباري
محللون خليجيون يرون أن قضية الطيارين الثلاثة تهدف إلى تحويل الأنظار عن فشل مهمة استهداف القواعد الأمريكية، بينما تؤكد قطر أنها عثرت على رفات أحد الطيارين ودعت طهران لمراجعة نتائج عمليات البحث
تصاعدت الخلافات بين إيران وقطر بشأن مصير ثلاثة طيارين إيرانيين، بعدما اتهمت طهران الدوحة باحتجازهم عقب إسقاط طائرات إيرانية خلال هجمات استهدفت دولًا خليجية، في حين نفت قطر بشكل قاطع احتجاز أي من الطيارين، مؤكدة أنها عثرت على رفات أحدهم وأبلغت الجانب الإيراني بذلك.
وتأتي هذه القضية في ظل تداعيات التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، بعدما دخلت قطر، التي حافظت على علاقات واتصالات مع إيران، في مواجهة مباشرة مع هجوم إيراني استهدف مواقع أمريكية في الخليج.
وكانت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية قد وجهت رسالة، نشرتها وكالة فارس المرتبطة بالحرس الثوري، قالت فيها إنها طلبت مساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل تأمين الإفراج عن ثلاثة طيارين إيرانيين تزعم أنهم محتجزون لدى قطر منذ مهمة عسكرية فاشلة لاستهداف قواعد أمريكية في مارس.
لكن الدوحة رفضت الرواية الإيرانية، مؤكدة عدم وجود طيارين إيرانيين محتجزين لديها.
قطر: عثرنا على رفات أحد الطيارين
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية إن فرق البحث والإنقاذ تمكنت من العثور على رفات أحد الطيارين، وإن الدوحة تواصلت مع السلطات الإيرانية من أجل تنسيق عملية تسليم الرفات.
وأضاف المتحدث أن إيران لم تستجب لدعوة قطر للاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ التي نفذتها الدوحة لتحديد مصير الطيارين.
وتعتبر هذه النقطة إحدى أبرز ركائز الرواية القطرية، إذ تقول الدوحة إنها لم تكتفِ بنفي احتجاز الطيارين، وإنما فتحت المجال أمام الجانب الإيراني للاطلاع على نتائج عمليات البحث التي أجرتها.
ويرى محللون أن استعداد قطر لتقديم تفاصيل عمليات البحث يعزز موقفها في مواجهة الاتهامات الإيرانية، خصوصًا أن القضية تتعلق بأفراد عسكريين يُعتقد أنهم فقدوا خلال عمليات جوية.
اتهامات بمحاولة تغيير رواية الحرب
وقال أحمد الخزاعي، وهو محلل سياسي بحريني وشريك إداري في شركة استشارات، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، إن إيران تحاول من خلال إثارة قضية الطيارين تغيير مسار الرواية المتعلقة بالعملية العسكرية.
ووصف الخزاعي الخطوة بأنها محاولة لـ«قلب الرواية» بعد ما اعتبره «مغامرة عسكرية فاشلة»، معتبرًا أن إدخال قطر في المواجهة كان خطأً استراتيجيًا من جانب طهران.
وبحسب تحليله، فإن قطر كانت في موقف دفعها إلى التعامل مع الهجوم باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها وسيادتها، وهو ما يبرر، من وجهة نظره، الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها.
وقال إن الدفاعات الجوية القطرية أسقطت طائرتين إيرانيتين من طراز سوخوي-24 بعد انتهاكهما المجال الجوي القطري، مؤكدًا أن ما حدث، بحسب روايته، كان عملًا دفاعيًا وليس هجومًا قطريًا على إيران.
وأضاف أن رفات أحد الطيارين عُثر عليه، بينما لا توجد أدلة تثبت أن الطيارين الآخرين محتجزون لدى قطر.
طهران تشكك في الرواية القطرية
في المقابل، تتمسك إيران بروايتها بشأن وجود ثلاثة طيارين تحت السيطرة القطرية، وتطالب بالحصول على معلومات واضحة حول مصيرهم.
وأشارت السلطات الإيرانية إلى أن القضية أصبحت جزءًا من جهود البحث عن العسكريين الذين فقدوا خلال العمليات الأخيرة، كما لجأت إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمساعدة في متابعة الملف.
لكن قطر تقول إن إيران لم تقدم أدلة تثبت أن الطيارين الثلاثة على قيد الحياة أو أنهم موجودون في الأراضي القطرية.
ويرى الخزاعي أن غياب الأدلة المادية، إلى جانب رفض طهران دعوة الدوحة لمراجعة عمليات البحث، يضعف الرواية الإيرانية ويمنح قطر مساحة أكبر للدفاع عن موقفها.
لماذا تكتسب القضية أهمية كبيرة؟
لا تقتصر أهمية الخلاف على مصير ثلاثة طيارين، بل تمتد إلى العلاقة الحساسة بين إيران وقطر، التي لعبت خلال السنوات الماضية دورًا مهمًا كوسيط في العديد من الملفات الإقليمية.
وتحاول الدوحة الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة، وهو ما يجعل أي اتهام لها باحتجاز عسكريين إيرانيين قضية شديدة الحساسية.
ويقول الخزاعي إن احتجاز طيارين إيرانيين سرًا سيعرض الدور القطري كوسيط إقليمي للخطر، كما يمكن أن يضر بسمعة الدوحة ومصداقيتها لدى دول الخليج والأطراف الدولية.
وبحسب هذا التقييم، فإن مصلحة قطر تقتضي التعامل بشفافية مع القضية، خصوصًا أن إخفاء أسرى عسكريين في ظل هذه الظروف سيضعها أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية كبيرة.
قضية إيرانيين في الكويت تزيد التعقيد
ولم تتوقف الاتهامات الإيرانية عند قطر، إذ اتهم محمد باقر زاده، قائد لجنة البحث عن المفقودين في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الكويت أيضًا بحجب معلومات تتعلق بمصير أربعة إيرانيين محتجزين لديها.
وكانت إيران قد أقرت في مايو بدخول الإيرانيين الأربعة، المرتبطين بالحرس الثوري، إلى المياه الكويتية، لكنها قالت إن دخولهم كان نتيجة اضطراب في الملاحة.
في المقابل، قالت الكويت إن الأشخاص الأربعة مشتبه في تخطيطهم لأعمال عدائية ضد البلاد، وإن السلطات قامت باعتقالهم.
وتشير هذه القضية إلى اتساع نطاق الخلافات بين إيران وعدد من دول الخليج على خلفية العمليات العسكرية والتوترات الأمنية الأخيرة.
قطر تراهن على الشفافية
يرى الخزاعي أن قطر استفادت سياسيًا من إعلانها تفاصيل عمليات البحث عن الطيارين، مشيرًا إلى أن الدوحة وجهت دعوة إلى مسؤولين إيرانيين للاطلاع على عمليات البحث في أبريل، إلا أن طهران لم تقبل الدعوة، بحسب روايته.
ويعتبر المحلل أن رفض إيران المشاركة في عمليات التحقق من النتائج قد يضعف اتهاماتها للدوحة، خصوصًا إذا لم تتمكن من تقديم معلومات أو أدلة مستقلة تثبت احتجاز الطيارين.
وفي المقابل، تواصل إيران الضغط من خلال القنوات الدبلوماسية والإنسانية، بما في ذلك اللجوء إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في محاولة للحصول على معلومات حول مصير العسكريين الذين تقول إنهم فقدوا خلال العمليات.
صراع على الرواية وليس فقط على الطيارين
ويعتقد الخزاعي أن القضية أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بالصراع على الرواية السياسية للحرب.
فطهران، وفق تقييمه، تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي فقد عسكريين خلال المواجهة، بينما تحاول الدوحة التأكيد على أنها تصرفت دفاعًا عن أراضيها وأنها لم تحتجز أي طيارين.
ويقول المحلل إن إيران تميل، بحسب رأيه، إلى تقديم نتائج العمليات العسكرية الناجحة باعتبارها دليلًا على قوتها، بينما تعيد تفسير النتائج السلبية بطريقة تركز على تعرضها للظلم أو الاستهداف.
ويختصر الخزاعي موقفه بالقول إن إيران هاجمت قطر، بينما دافعت الدوحة عن نفسها، وإن طهران تحاول الآن إعادة صياغة القصة بطريقة تجعلها الطرف المتضرر.
ومع استمرار غياب معلومات مستقلة وحاسمة حول مصير الطيارين الثلاثة، تبقى القضية مفتوحة على مزيد من الجدل، خصوصًا مع تضارب الروايتين الإيرانية والقطرية.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الدوحة العثور على رفات أحد الطيارين واستعدادها لتقديم تفاصيل عمليات البحث، تصر طهران على مطالبة قطر بكشف مصير العسكريين الذين تقول إنهم وقعوا في الأسر.
وتحمل القضية في النهاية أبعادًا تتجاوز مصير الطيارين، إذ تمس العلاقة بين إيران ودول الخليج، ودور قطر كوسيط إقليمي، وتداعيات المواجهة العسكرية الأخيرة، فضلًا عن الصراع المتواصل بين الأطراف المتنافسة على تحديد رواية الأحداث أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.










