ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور قرب الحدود التركية تشعل التوتر بين أنقرة وتل أبيب.. وواشنطن تحذر من خطر «الاشتباك غير المقصود»
انقرة – المنشر_الاخباري
حذرت وسائل إعلام تركية من أن التصعيد الإسرائيلي داخل سوريا بدأ يتحول إلى تهديد أمني مباشر لتركيا، بعدما شنت إسرائيل سلسلة غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب، في خطوة أثارت مخاوف من انتقال التوتر بين أنقرة وتل أبيب إلى مرحلة أكثر خطورة.
ونفذت القوات الإسرائيلية، الثلاثاء، ثماني غارات جوية استهدفت القاعدة العسكرية الواقعة شرقي إدلب، على بعد نحو 70 كيلومترًا فقط من الحدود التركية، ما أدى إلى أضرار في مدرج القاعدة ومنشآت تخزين داخلها، وفق ما أورده التقرير.
وتكتسب الضربات أهمية خاصة بسبب موقع القاعدة، وكذلك ارتباطها بالخطط التركية لتعزيز وجودها العسكري والأمني داخل الأراضي السورية.
وترى وسائل إعلام تركية أن الهجوم الإسرائيلي قد يحمل رسالة مباشرة إلى أنقرة، مفادها أن إسرائيل لن تسمح بإنشاء وجود عسكري تركي قوي في منشآت استراتيجية داخل سوريا، خصوصًا تلك القريبة من مناطق النفوذ الإسرائيلية.
نتنياهو يبرر الضربة.. وأنقرة ترفض
مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن الغارات استهدفت منع احتمال نشر قوات تركية في القاعدة، معتبرًا أن وجود قوات تركية هناك يمكن أن يشكل تهديدًا لأمن إسرائيل.
لكن أنقرة رفضت هذا التبرير، ووصفته بأنه غير مقنع، متهمة نتنياهو باتباع سياسات توسعية ومزعزعة للاستقرار، واستخدام المبررات الأمنية لتبرير ضرب الأراضي السورية وانتهاك سيادتها وسلامتها الإقليمية.
وتشير هذه المواجهة الكلامية إلى عمق الخلاف المتزايد بين تركيا وإسرائيل بشأن مستقبل سوريا، خصوصًا مع سعي كل طرف إلى فرض ترتيبات أمنية تتناسب مع مصالحه الاستراتيجية.
لماذا تثير القاعدة قلق إسرائيل؟
تنبع أهمية قاعدة أبو الظهور من موقعها الاستراتيجي، إذ تقع في منطقة يمكن أن تمنح أي قوة عسكرية تتمركز فيها قدرة أكبر على التحرك والمراقبة داخل شمال سوريا.
وتعمل تركيا مع السلطات السورية الجديدة، بما في ذلك قوات مرتبطة بهيئة تحرير الشام، في ملفات عسكرية وأمنية، الأمر الذي يجعل احتمال انتشار قوات تركية في مواقع عسكرية سورية حساسة مصدر توتر كبير بالنسبة إلى إسرائيل.
وتنظر تل أبيب إلى أي توسع محتمل للوجود التركي في سوريا باعتباره عاملًا قد يحد من حرية تحركها العسكري، خصوصًا في ظل عملياتها المتكررة داخل الأراضي السورية.
وفي المقابل، ترى أنقرة أن استمرار الضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية يهدد مصالحها وأمنها القومي، خصوصًا إذا اقتربت العمليات الإسرائيلية من المناطق التي تتحرك فيها القوات أو المصالح التركية.
الإعلام التركي يرفع سقف التحذير
وتناول عدد من وسائل الإعلام التركية الضربة الإسرائيلية باعتبارها تطورًا يتجاوز حدود الصراع السوري الداخلي.
وكانت صحيفة ملي غازيته قد حذرت في وقت سابق من أن استمرار العمليات الإسرائيلية داخل سوريا يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى اقتراب القوات الإسرائيلية من الحدود التركية.
كما وصفت وسائل إعلام تركية أخرى التوسع العسكري الإسرائيلي في سوريا بأنه تحدٍ استراتيجي متزايد لأنقرة.
وتعكس هذه التحذيرات تنامي المخاوف داخل تركيا من أن تتحول العمليات الإسرائيلية في سوريا إلى واقع دائم، بما يعيد رسم ميزان القوى على الحدود الجنوبية لتركيا.
واشنطن تحذر من سيناريو أخطر
وفي خضم التوتر، دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة من خلال تحذير من خطر سوء التقدير والاشتباك غير المقصود.
وقال السفير الأميركي لدى تركيا وسوريا، توماس جوزيف باراك، إن الضربات الإسرائيلية تمثل «تصعيدًا غير ضروري»، داعيًا إلى وضع آليات تمنع سوء الفهم أو وقوع اشتباكات عرضية بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
والأكثر إثارة للقلق، بحسب التصريحات المنقولة في التقرير، أن تركيا لم تتلق تحذيرًا مسبقًا بشأن الضربات الإسرائيلية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن استهداف منشأة قد تكون مرتبطة بخطط عسكرية تركية من دون إخطار أنقرة يرفع احتمال وقوع مواجهة غير مقصودة بين القوات التركية والإسرائيلية.
من سوريا إلى الحدود التركية
التطور اللافت في المشهد أن العمليات الإسرائيلية لم تعد تتركز بعيدًا عن الأراضي التركية، بل باتت تقع في مناطق قريبة نسبيًا من الحدود.
وهذا ما يفسر تصاعد اللهجة في الإعلام التركي، الذي بدأ يتعامل مع التحركات الإسرائيلية في سوريا باعتبارها مسألة أمن قومي تركي، وليس مجرد صراع إقليمي بعيد.
وتخشى أنقرة من أن يؤدي استمرار الضربات الإسرائيلية إلى خلق واقع عسكري جديد في جنوب سوريا، يسمح لإسرائيل بتوسيع نطاق نفوذها أو فرض مناطق أمنية جديدة.
في المقابل، ترى إسرائيل أن تحركاتها العسكرية ضرورية لمنع خصومها من بناء قدرات أو قواعد يمكن أن تهدد أمنها مستقبلًا.
وبين الرؤيتين، تتحول سوريا تدريجيًا إلى ساحة تنافس بين قوتين إقليميتين تمتلك كل منهما مصالح استراتيجية متعارضة.
هل تقترب تركيا وإسرائيل من مواجهة مباشرة؟
السؤال الأكثر حساسية الآن هو ما إذا كان التصعيد في سوريا يمكن أن يدفع تركيا وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على رغبة أي من الطرفين في خوض حرب مباشرة، لكن تعدد نقاط الاحتكاك يزيد مخاطر وقوع حادث عسكري غير محسوب.
فوجود قوات تركية محتملة في مواقع قريبة من مناطق العمليات الإسرائيلية يعني أن أي ضربة مستقبلية قد تصيب أفرادًا أو منشآت مرتبطة بتركيا، وهو ما يمكن أن يفرض على أنقرة ردًا عسكريًا.
وفي المقابل، قد ترى إسرائيل أن أي انتشار تركي يحد من قدرتها على تنفيذ عملياتها داخل سوريا، الأمر الذي قد يزيد من احتمالات الاحتكاك.
ولهذا، فإن التحذير الأميركي بشأن ضرورة منع «سوء الفهم» لا يبدو تفصيلًا ثانويًا، بل يعكس مخاوف حقيقية من أن يؤدي التصعيد المتبادل إلى حادث يصعب احتواؤه.
سوريا تتحول إلى ساحة صراع جديدة
تكشف الضربة الأخيرة أن سوريا ما زالت واحدة من أكثر الساحات تعقيدًا في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع فيها المصالح التركية والإسرائيلية والأميركية والسورية.
فتركيا تريد الحفاظ على نفوذها وأمن حدودها الجنوبية، بينما تسعى إسرائيل إلى منع ظهور أي تهديد عسكري محتمل بالقرب من مناطق سيطرتها أو حدودها.
أما الولايات المتحدة فتحاول، وفق التصريحات الأخيرة، منع تحول التنافس بين حلفائها وشركائها في المنطقة إلى مواجهة مباشرة.
وبينما تستمر هذه التوترات، تبرز قاعدة أبو الظهور باعتبارها نقطة اختبار جديدة للعلاقة بين أنقرة وتل أبيب.
فالضربة التي كانت، وفق التبرير الإسرائيلي، تهدف إلى منع انتشار تركي محتمل، قد تكون في الوقت نفسه قد دفعت تركيا إلى النظر إلى التحركات الإسرائيلية داخل سوريا باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
ومع استمرار العمليات الإسرائيلية بالقرب من الحدود التركية، فإن هامش الخطأ يضيق، وأي حادث يستهدف قوات أو منشآت مرتبطة بتركيا قد يفتح الباب أمام أزمة أكبر بكثير.










