دمشق – المنشر_الاخباري
أثارت تصريحات جديدة للزعيم الروحي للطائفة الدرزية في سوريا، حكمت الهجري، جدلاً واسعاً بعدما وصف الدروز بأنهم «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، في موقف يمثل تصعيداً لافتاً في خطابه السياسي تجاه إسرائيل، بالتزامن مع استمرار التوترات في محافظة السويداء وتصاعد الحديث عن مستقبل المحافظة وعلاقتها بدمشق.
وجاءت تصريحات الهجري خلال تجمع في السويداء، حيث تحدث عن وجود أرضية مشتركة مع إسرائيل، حتى في الجانب الديني، كما أشاد بما وصفه بنموذج إسرائيل في بناء الدولة وحماية مصالحها.
ولم يتوقف الهجري عند ذلك، بل ألمح إلى احتمال حدوث تطورات جديدة بشأن السويداء «خلال أيام»، من دون الكشف عن طبيعة هذه التطورات أو الجهات المعنية بها، في وقت تحولت فيه المحافظة إلى محور اتصالات وتحركات دبلوماسية إقليمية ودولية متزايدة.
من «الحماية الدولية» إلى الحديث عن إسرائيل
تكتسب تصريحات الهجري أهمية خاصة في ضوء التحول التدريجي في مواقفه خلال الأشهر الماضية. فقد ركز في السابق على حق سكان السويداء في تقرير مصيرهم، وطالب بحماية دولية، بينما بدأ خطابه لاحقاً يتضمن إشارات أكثر وضوحاً إلى إمكانية إقامة كيان منفصل عن الحكومة المركزية في دمشق.
كما سبق أن طرح احتمالات تتعلق بخضوع المحافظة لحماية دولة أخرى أو الارتباط بدولة خارج الحدود السورية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول المسار السياسي الذي قد تتجه إليه السويداء.
ويرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة تمثل انتقالاً جديداً في هذا الخطاب، خصوصاً مع الإشارة المباشرة إلى إسرائيل باعتبارها طرفاً يمكن أن يكون له دور في مستقبل المحافظة.
لماذا إسرائيل حاضرة في المشهد؟
تأتي هذه التصريحات في ظل تنامي الدور الإسرائيلي في الملف المتعلق بالدروز السوريين. وكانت إسرائيل قد تدخلت عسكرياً خلال مواجهات شهدتها السويداء في يوليو/تموز 2025، ونفذت ضربات في دمشق ومناطق أخرى، معلنة أن حماية الدروز كانت من بين أهداف تدخلها.
ومنذ ذلك الحين، وجه الهجري رسائل شكر متكررة إلى إسرائيل على موقفها من الدروز، بينما شهد خطابه تطوراً من المطالبة بالحماية الدولية وتقرير المصير إلى طرح إسرائيل بصورة أكثر مباشرة كطرف محتمل في تحديد مستقبل السويداء.
هل توجد مفاوضات مع دمشق؟
في المقابل، لا تزال طبيعة العلاقة بين الهجري والحكومة السورية في دمشق غامضة ومتوترة، وسط تقارير متضاربة حول وجود مفاوضات مباشرة بين الطرفين.
وتحدثت تقارير إعلامية عن اتصالات تهدف إلى التوصل إلى ترتيبات جديدة بشأن الملفات الأمنية والإدارية في السويداء وعلاقتها بالحكومة المركزية.
لكن مصادر مقربة من الهجري نفت وجود مفاوضات مباشرة، مع إقرارها بوجود جهود أمريكية للوساطة في ملفات محددة، بينها قضية المعتقلين.
ويأتي ذلك فيما تحاول أطراف إقليمية ودولية منع تحول التوتر في جنوب سوريا إلى مواجهة أوسع قد تتداخل فيها حسابات إسرائيل ودمشق والولايات المتحدة والقوى المحلية.
اجتماع سوري إسرائيلي بوساطة أمريكية
وتزامنت تصريحات الهجري مع تطورات دبلوماسية لافتة، إذ جاءت بعد أيام من اجتماع سوري إسرائيلي عقد في الأردن بوساطة أمريكية، في إطار جهود تهدف إلى خفض التوتر بين دمشق وتل أبيب ومناقشة ترتيبات أمنية في جنوب سوريا.
وهنا تبرز السويداء باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية؛ فالمحافظة لا تواجه فقط أزمة داخلية مرتبطة بعلاقتها بدمشق، بل أصبحت أيضاً جزءاً من معادلة أمنية إقليمية أكثر تعقيداً.
«خلال أيام».. ماذا يقصد الهجري؟
ربما كان أكثر ما أثار التساؤلات في تصريحات الزعيم الدرزي هو حديثه عن تطورات مرتقبة في السويداء خلال أيام، من دون تقديم تفاصيل.
فهل يتعلق الأمر بترتيبات سياسية جديدة؟ أم باتفاق أمني؟ أم بتحرك دولي يخص مستقبل المحافظة؟ أم أن التصريحات تهدف إلى الضغط على دمشق والأطراف الدولية قبل اتضاح شكل التسوية المقبلة؟
لا توجد حتى الآن إجابة معلنة، لكن توقيت التصريحات، بالتزامن مع التحركات الأمريكية والإسرائيلية والاتصالات المتعلقة بجنوب سوريا، يمنحها أهمية سياسية تتجاوز حدود الخطاب المحلي.
السويداء أمام مفترق طرق
وفي الوقت الذي يؤكد فيه الهجري أن سكان السويداء كانوا قبل اندلاع العنف يطالبون بدولة سورية مدنية وديمقراطية تضمن حقوق جميع المكونات من دون تمييز ديني أو طائفي، فإن حديثه المتزايد عن تقرير المصير والارتباط الخارجي يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تتجه السويداء إلى تسوية مع دمشق، أم إلى صيغة حكم ذاتي، أم إلى ترتيبات أمنية دولية وإقليمية جديدة؟
ومع دخول إسرائيل والولايات المتحدة بصورة أكثر وضوحاً في حسابات الجنوب السوري، تبدو المحافظة أمام مرحلة حساسة قد تحدد ليس فقط علاقتها بدمشق، وإنما شكل التوازنات في جنوب سوريا خلال المرحلة المقبلة.










