موسكو- المنشر_الاخباري
في لحظة تكشف حجم التحول الذي أصاب خريطة التحالفات العالمية، لم يحاول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الدفاع عن علاقة موسكو بإيران وكوريا الشمالية بقدر ما وجّه سؤالًا معاكسًا إلى منتقديها: «وما المشكلة في هذه الشراكة؟».. فهل تغيّرت قواعد اللعبة الدولية بالفعل؟
لم يعد التقارب بين روسيا وإيران وكوريا الشمالية مجرد علاقات تجمع ثلاث دول في مواجهة ضغوط غربية متزايدة، بل بات عنوانًا لتحول أوسع في المشهد الدولي، مع إصرار موسكو على رفض التصنيفات التي تضع بعض الدول في خانة «المنبوذين» أو «المعزولين».
وخلال مقابلة تلفزيونية، سُئل لافروف عن الكيفية التي وصلت بها روسيا إلى مرحلة أصبحت فيها إيران وكوريا الشمالية من أبرز شركائها، رغم أنهما كانتا لسنوات توصفان في الخطاب الغربي بأنهما دولتان معزولتان دوليًا.
إلا أن إجابة الوزير الروسي جاءت مباشرة وحاسمة، إذ رد متسائلًا: «وما المشكلة في هذه الشراكة؟»
وعندما أُشير إلى وصف البلدين سابقًا بأنهما «دولتان منبوذتان»، رفض لافروف المصطلح، معتبرًا أن من أطلقوا هذه التصنيفات هم القوى التي رأت نفسها منتصرة بعد انتهاء الحرب الباردة، وتصرفت على أساس امتلاكها الحق في تحديد شكل النظام الدولي ومن هم المقبولون ومن هم المعزولون.
لافروف يقلب الطاولة
لم تكن إجابة لافروف مجرد دفاع عن حليفين، بل حملت رسالة سياسية تتجاوز طهران وبيونغ يانغ.
فموسكو تريد القول إن قواعد النظام الدولي التي ترسخت بعد نهاية الحرب الباردة لم تعد كما كانت، وإن عصر قدرة طرف واحد على فرض رؤيته على بقية العالم يواجه تحديات متزايدة.
وتتبنى روسيا منذ سنوات خطابًا يدعو إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، ترى فيه أن الولايات المتحدة والغرب ليسا أصحاب الكلمة الوحيدة في تحديد قواعد العلاقات الدولية.
ومن هذا المنظور، فإن علاقات موسكو مع إيران وكوريا الشمالية لا تُقدَّم روسيًا باعتبارها نتيجة للعزلة، وإنما باعتبارها جزءًا من شبكة شراكات جديدة تتوسع خارج المنظومة الغربية.
من العقوبات إلى تحالفات جديدة
فرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية عقوبات واسعة على روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا، في محاولة للضغط على الاقتصاد الروسي وتقليص قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
لكن روسيا، بدلًا من التراجع عن علاقاتها الخارجية، كثفت تحركاتها باتجاه آسيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى، ووسعت علاقاتها مع دول تتبنى بدورها مواقف معارضة للسياسات الغربية.
وفي مقدمة هذه الدول جاءت إيران وكوريا الشمالية.
ومع مرور الوقت، انتقلت العلاقات الروسية مع البلدين إلى مستويات أكثر أهمية، خصوصًا في المجالات السياسية والدفاعية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الشراكة الثلاثية واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق لدى العواصم الغربية.
إيران.. شريك في مواجهة الضغوط
تحتل إيران موقعًا خاصًا في الحسابات الروسية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وإنما أيضًا بسبب خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات الغربية.
وعلى مدار السنوات الماضية، توسعت العلاقات بين موسكو وطهران في مجالات متعددة، بينما أصبح التنسيق بين البلدين أكثر وضوحًا في ظل الضغوط الأمريكية.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن التعاون مع إيران يفتح مسارات سياسية واقتصادية وأمنية جديدة، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تقليل اعتمادها على الأسواق والمؤسسات الغربية.
أما بالنسبة إلى طهران، فإن تعزيز العلاقات مع قوة كبرى مثل روسيا يوفر بدوره هامشًا أوسع للتحرك في مواجهة الضغوط الدولية.
كوريا الشمالية.. الحلقة الأكثر حساسية
لكن العلاقة مع كوريا الشمالية تحمل حساسية أكبر.
فالتقارب الروسي الكوري الشمالي شهد تطورًا كبيرًا، وتحولت بيونغ يانغ إلى طرف حاضر بقوة في النقاشات المتعلقة بالأمن والاستراتيجية في شرق آسيا.
وتنظر العواصم الغربية بقلق إلى توسع التعاون بين موسكو وبيونغ يانغ، خصوصًا في المجالات الدفاعية، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التعاون إلى تعزيز قدرات الطرفين وخلق قنوات جديدة لتبادل الخبرات والمعدات.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية سؤال لافروف: إذا كانت واشنطن وحلفاؤها يرون أن هذه الدول «منبوذة»، فإن موسكو تقول إنها لا تعترف بهذا التصنيف أصلًا.
الغرب أمام معادلة مختلفة
المشكلة بالنسبة إلى الغرب، وفق هذا التصور، لا تكمن فقط في العلاقات الثنائية بين روسيا وكل من إيران وكوريا الشمالية، وإنما في احتمال ظهور شبكة أوسع من الدول التي تستطيع التعاون فيما بينها بعيدًا عن الضغوط الغربية.
فكلما توسعت هذه الشبكات، أصبحت العقوبات أقل قدرة على تحقيق هدف العزل الكامل.
وهذا ما يجعل التقارب الروسي مع طهران وبيونغ يانغ جزءًا من معركة أكبر حول مستقبل النظام العالمي.
هل انتهى زمن «الدولة المنبوذة»؟
تصريحات لافروف تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل ما زال وصف دولة ما بأنها «منبوذة» كافيًا لعزلها عن بقية العالم؟
ففي عالم تتوسع فيه العلاقات بين القوى الآسيوية والشرق أوسطية، وتتزايد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، أصبحت الدول التي كانت تواجه عزلة غربية قادرة على بناء شراكات بديلة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فسياسة العزل التي كان يُفترض أن تدفع هذه الدول إلى تغيير سلوكها قد تكون ساهمت، في بعض الحالات، في دفعها إلى مزيد من التقارب مع بعضها البعض.
موسكو ترسم خطوطًا جديدة
وبينما يركز الغرب على الحرب في أوكرانيا وتداعياتها، تتحرك روسيا على مسار آخر لإعادة بناء شبكة علاقاتها الدولية.
إيران وكوريا الشمالية ليستا مجرد دولتين تتعاون معهما موسكو، وفق الخطاب الروسي، بل جزء من تصور أوسع لعالم متعدد المراكز، لا تكون فيه واشنطن صاحبة القدرة المنفردة على تحديد شكل التحالفات.
ولهذا جاءت إجابة لافروف قصيرة، لكنها شديدة الدلالة: «وما المشكلة في هذه الشراكة؟»
فالسؤال الذي طرحه الوزير الروسي قد يكون في جوهره رسالة إلى الغرب بأكمله: إذا كانت واشنطن ترى أن بعض الدول منبوذة، فلماذا يفترض أن تقبل موسكو بهذا التصنيف؟
وبينما تتصاعد المنافسة الدولية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وشرق آسيا، يبدو أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأراضي والنفوذ العسكري، بل حول سؤال أكبر بكثير: من يملك حق تحديد قواعد النظام العالمي الجديد؟
وهنا تحديدًا، تبدو شراكة روسيا مع إيران وكوريا الشمالية واحدة من أبرز الاختبارات التي ستكشف ما إذا كان العالم يتجه فعلًا نحو تعددية قطبية جديدة، أم أن النظام الذي تقوده القوى الغربية ما زال قادرًا على فرض قواعده رغم كل التحولات.










