موسكو
تزداد صعوبة الوصول إلى تسوية تنهي الحرب الروسية الأوكرانية، في ظل تشدد متزايد في موقف موسكو، وسط قناعة داخل الكرملين بأن التطورات العسكرية تمنح روسيا فرصة لتحسين شروطها قبل أي اتفاق نهائي.
وبحسب مصادر قريبة من الكرملين نقلت عنها بلومبرج، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يسعى في هذه المرحلة إلى اتفاق يقوم على تسوية وسط بين موسكو وكييف، وإنما يريد اتفاقًا يتوافق مع الأهداف الروسية للحرب.
وتقول المصادر إن المطالب الروسية أصبحت أكثر تشددًا، بالتزامن مع اعتقاد القيادة الروسية بأن وضع قواتها على الجبهة يتحسن، وهو ما يقلل من استعداد موسكو لتقديم تنازلات في الوقت الحالي.
بوتين لا يريد سلامًا بأي ثمن
المعادلة التي تكشفها المعلومات الجديدة لا تعني أن موسكو ترفض المفاوضات من حيث المبدأ، لكنها تشير إلى أن الكرملين يريد أن تكون المفاوضات وسيلة للوصول إلى اتفاق يحقق مصالحه وأهدافه، وليس مجرد طريق سريع لوقف إطلاق النار.
وكان بوتين قد أكد في تصريحات حديثة أن روسيا تحقق تقدمًا ميدانيًا، وقال إن قواته تواصل التحرك على عدة محاور، في وقت أبدى فيه استعدادًا لمواصلة الاتصالات الدبلوماسية مع واشنطن.
وبحسب رويترز، قال بوتين في الأول من سبتمبر إن روسيا «تفوز» في ساحة المعركة، بينما تحدث عن مكاسب روسية في منطقة دونيتسك، مع تأكيده أن موسكو لا ترى حاجة إلى تعبئة عسكرية جديدة في الوقت الراهن.
وهذه النظرة إلى الوضع الميداني تبدو أساسية في فهم الموقف الروسي من المفاوضات؛ فكلما اعتقد الكرملين أن قواته تحقق تقدمًا، زادت قدرته على الانتظار ورفض أي اتفاق لا يلبي مطالبه.
الجبهة ترفع ثمن التسوية
وتشير قراءة بلومبرج إلى أن موسكو باتت تنظر إلى التطورات العسكرية باعتبارها ورقة تفاوضية مباشرة.
فبدلًا من الدخول إلى مفاوضات تحت ضغط الرغبة في إنهاء الحرب سريعًا، يبدو أن روسيا تراهن على استمرار الضغط العسكري لتحسين موقعها السياسي، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالأراضي والترتيبات الأمنية ومستقبل أوكرانيا.
وتأتي هذه الحسابات في وقت لا تزال فيه المعارك مستمرة على طول الجبهة، بينما تتبادل روسيا وأوكرانيا الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وكانت بلومبرج قد أفادت في أغسطس بأن موسكو تستعد لاحتمال تصعيد الضربات إذا وصلت جهود السلام إلى طريق مسدود، وقالت مصادر قريبة من الكرملين إن روسيا لا ترى نفسها مضطرة لإنهاء الحرب تحت ضغط العقوبات أو الضربات الأوكرانية على منشآت النفط واللوجستيات الروسية.
اجتماع بوتين بالمبعوثين الأمريكيين لم يحقق الاختراق
وتزامن الكشف عن تشدد موسكو مع التحرك الأمريكي الأخير لإحياء المفاوضات.
فقد عقد بوتين اجتماعًا استمر أكثر من ثلاث ساعات مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو، حيث ناقش الجانبان أفكارًا ومسارات محتملة لإنهاء الحرب.
ووصف الكرملين اللقاء بأنه كان «مفيدًا للغاية»، لكن لم يتم الإعلان عن اختراق حاسم أو اتفاق بشأن القضايا الأكثر تعقيدًا.
وبعد مغادرة موسكو، توجه ويتكوف وكوشنر إلى كييف للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محاولة لبحث المقترحات الأمريكية مع الجانب الأوكراني أيضًا.
وتكشف هذه التحركات أن واشنطن تحاول إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، لكن الفجوة بين مواقف موسكو وكييف لا تزال كبيرة.
دونباس في قلب المعركة
وتظل الأراضي واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في أي مفاوضات مقبلة، خصوصًا منطقة دونباس.
وتفيد تقارير حديثة بأن روسيا تريد تثبيت مكاسبها الإقليمية والحصول على ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، بينما ترفض كييف التنازل عن الأراضي التي تعتبرها جزءًا من سيادتها.
وخلال لقاءاته مع المبعوثين الأمريكيين، شدد بوتين مجددًا على ضرورة معالجة ما تصفه موسكو بـ«الأسباب الجذرية» للحرب، في حين تؤكد كييف أن أي اتفاق يجب أن يتضمن ضمانات أمنية غربية قوية.
ووفق رويترز، لا تزال قضايا الأراضي وطموحات أوكرانيا تجاه حلف شمال الأطلسي من أبرز نقاط الخلاف التي تعرقل التوصل إلى تسوية.
واشنطن أمام مهمة شاقة
ويضع الموقف الروسي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام معادلة صعبة.
فالولايات المتحدة تحاول دفع موسكو وكييف نحو اتفاق، لكن روسيا تبدو أقل استعدادًا لقبول تسوية إذا كانت ترى أن استمرار العمليات العسكرية قد يمنحها مكاسب أكبر.
وفي المقابل، تسعى أوكرانيا للحصول على ضمانات أمنية قوية وترفض تقديم تنازلات إقليمية تعتبرها تهديدًا لمستقبل الدولة.
وخلال زيارة المبعوثين الأمريكيين إلى كييف، أكد زيلينسكي أهمية الحصول على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وحلفائها، بينما لم تظهر المحادثات أي انفراجة حاسمة بشأن القضايا الرئيسية.
بوتين يراهن على الوقت
في نهاية المطاف، تبدو القضية مرتبطة بسؤال واحد: من يملك القدرة على الانتظار أكثر؟
موسكو تراهن على أن استمرار الضغط العسكري يمكن أن يحسن شروطها، بينما تراهن واشنطن على أن استمرار الحرب وتكاليفها سيدفع الطرفين في النهاية إلى تقديم تنازلات.
لكن وفق ما نقلته بلومبرج عن مصادر قريبة من الكرملين، فإن الحساب الروسي الحالي يميل إلى الاتجاه الأول: بوتين لا يريد اتفاقًا لمجرد إنهاء الحرب، بل اتفاقًا يرى أنه يحقق أهداف روسيا ويعكس ميزان القوى الذي تعتقد موسكو أنه يتشكل على الأرض.
وبذلك، فإن أي مفاوضات جديدة لن تكون فقط بحثًا عن وقف لإطلاق النار، وإنما معركة سياسية حول الثمن الذي سيدفعه كل طرف مقابل السلام، وما إذا كانت المكاسب العسكرية الروسية ستتحول بالفعل إلى مكاسب على طاولة المفاوضات.










