واشنطن – المنشر_الاخباري
تتجه الأنظار في الولايات المتحدة إلى حجم الأموال المرتبطة بقطر التي تدفقت إلى مؤسسات التعليم العالي الأمريكية، بعدما أظهرت بيانات منشورة عبر قاعدة بيانات وزارة التعليم الأمريكية أن قطر جاءت في صدارة مصادر التمويل الأجنبي للجامعات الأمريكية، بإجمالي يقارب 6.6 مليار دولار وفق البيانات المتاحة مطلع عام 2026.
ولا يتعلق الأمر بتبرعات مباشرة فقط، إذ تشمل البيانات الهبات والعقود وترتيبات مرتبطة بالتعاون الأكاديمي وتشغيل فروع جامعات أمريكية في قطر، وهو ما يجعل قراءة الرقم الإجمالي أكثر تعقيدًا من اعتباره مجرد «تبرعات» للجامعات الأمريكية.
كورنيل في الصدارة.. مليارات مرتبطة بقطر
تتصدر جامعة كورنيل قائمة المؤسسات الأمريكية التي ظهر لها نصيب كبير من التمويل القطري، بنحو 2.3 مليار دولار، وفق البيانات المنشورة. وتأتي بعدها كارنيجي ميلون بنحو مليار دولار، ثم تكساس إيه آند إم بنحو 992.8 مليون دولار، وجامعة جورجتاون بنحو 971.1 مليون دولار.
وترتبط نسبة مهمة من هذه الأموال بفروع الجامعات الأمريكية العاملة في قطر، وفي مقدمتها الجامعات الموجودة داخل «مدينة التعليم» في الدوحة، ما يعني أن جزءًا من التدفقات المالية يرتبط بتشغيل برامج ومؤسسات أكاديمية خارج الأراضي الأمريكية.
1.1 مليار دولار في عام واحد
وتكشف بيانات منفصلة لوزارة التعليم الأمريكية أن المؤسسات الأمريكية حصلت على نحو 5.2 مليار دولار من الهبات والعقود الأجنبية الكبيرة خلال عام 2025 وحده، وجاءت قطر في المقدمة بأكثر من 1.1 مليار دولار، متقدمة على بريطانيا والصين.
وتخضع الجامعات الأمريكية التي تتلقى تمويلًا أجنبيًا يتجاوز 250 ألف دولار سنويًا لقواعد إفصاح اتحادية، في إطار المادة 117 من قانون التعليم العالي، بينما أطلقت وزارة التعليم قاعدة بيانات عامة جديدة لزيادة الشفافية بشأن هذه التدفقات المالية.
من التعليم إلى النفوذ.. أين تبدأ الأسئلة؟
هذا الحجم الكبير من التمويل فتح نقاشًا واسعًا في الولايات المتحدة حول طبيعة العلاقة بين الأموال الأجنبية والجامعات، وما إذا كانت الشراكات الدولية تقتصر على دعم البحث والتعليم أم يمكن أن تتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والثقافي.
ويرى منتقدون للتمويل القطري أن ضخ مليارات الدولارات في مؤسسات أكاديمية مرموقة يستدعي رقابة أكبر على طبيعة العقود، والجهات المستفيدة، والبرامج التي تحصل على التمويل، ومدى تأثير الجهات المانحة على القرارات الأكاديمية.
لكن حجم التمويل وحده لا يثبت وجود تدخل في المناهج أو الأبحاث أو استقلال الجامعات؛ فجامعات أمريكية تؤكد أن الأموال تُستخدم في تشغيل فروعها وبرامجها التعليمية والبحثية، وأنها ملتزمة بالقوانين الأمريكية والاستقلال الأكاديمي. وقالت كارنيجي ميلون، على سبيل المثال، إن تمويل فرعها في قطر يتم وفق ميزانيات سنوية معلنة لوزارة التعليم، وإن أكثر من 90% من تلك الأموال يُنفق في قطر لتشغيل الحرم الجامعي هناك.
لماذا تنفق قطر كل هذه الأموال؟
تقول التفسيرات المرتبطة بالشراكات التعليمية إن قطر تسعى إلى تطوير قطاع التعليم والبحث العلمي لديها، واستقطاب جامعات عالمية، وبناء كوادر محلية، وتحويل الدوحة إلى مركز إقليمي للتعليم والابتكار.
في المقابل، يرى باحثون ومنظمات تنتقد الدور القطري أن هذه الاستثمارات يمكن أن تمنح الدوحة مساحة أوسع للتأثير الثقافي والسياسي داخل المؤسسات الأمريكية. وتتبنى بعض مراكز الأبحاث، مثل معهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية، ادعاءات أكثر حدة بشأن وجود تأثير أيديولوجي قطري؛ وهي ادعاءات محل جدل ولا تمثل نتيجة مستقلة محسومة.
أموال ضخمة.. وأسئلة أكبر
وبينما تؤكد الجامعات أن الشراكات القطرية توفر موارد للبحث والتعليم وتفتح أبوابًا أكاديمية دولية، تطرح الأرقام سؤالًا أكثر حساسية: هل يمثل هذا التمويل نموذجًا ناجحًا للتعاون الأكاديمي الدولي، أم أنه يمنح دولة صغيرة الحجم قدرة استثنائية على بناء نفوذ داخل واحدة من أهم منظومات التعليم العالي في العالم؟
الإجابة لا تحسمها قيمة الأموال وحدها، وإنما تتطلب النظر في مصدر كل تمويل، وطبيعة العقود، وأوجه الإنفاق، وشروط الشراكات، ومدى استقلال المؤسسات الأكاديمية في اتخاذ قراراتها. وهو بالضبط الملف الذي تحاول قاعدة بيانات وزارة التعليم الأمريكية الجديدة جعله أكثر وضوحًا أمام الرأي العام.










