أبوظبي- المنشر_الاخباري
دفعت الهجمات الإيرانية التي طالت بنية تحتية تكنولوجية في منطقة الخليج الإمارات إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ستبني بها واحدًا من أكبر مشاريع الذكاء الاصطناعي في العالم، مع اتجاه أبوظبي إلى إدخال تحصينات وإجراءات دفاعية جديدة لحماية مراكز البيانات والمنشآت الحيوية المرتبطة بالمشروع.
وبحسب مصادر مطلعة، تعيد الإمارات حاليًا النظر في مخطط مشروع مركز الذكاء الاصطناعي الإماراتي-الأمريكي، الذي يستهدف الوصول إلى قدرة حوسبة ضخمة تبلغ 5 غيغاواط، بعدما أظهرت الهجمات الأخيرة أن مراكز البيانات لم تعد بمنأى عن المخاطر العسكرية التي تشهدها المنطقة.
وكان المشروع مصممًا في البداية ليكون مجمعًا واحدًا ضخمًا في أبوظبي، يمتد على مساحة تقارب 10 أميال مربعة، أي نحو 26 كيلومترًا مربعًا. لكن الخطة الجديدة التي يجري بحثها تقوم على توزيع جزء أكبر من منشآت المشروع على عدة مواقع داخل الإمارات، بدلًا من تركيز كل القدرات الحوسبية في مكان واحد.
الهدف من هذا التغيير هو زيادة قدرة المشروع على الصمود في حال تعرض أحد المواقع لهجوم، بحيث لا تؤدي ضربة واحدة إلى تعطيل جزء كبير من منظومة الذكاء الاصطناعي.
لماذا أعادت الإمارات حساباتها؟
جاءت هذه المراجعة بعد أن تعرضت منشآت مرتبطة بالبنية التحتية التكنولوجية لهجمات خلال الحرب الدائرة في المنطقة.
وفي مارس، تضرر مركزان تابعان لخدمات Amazon Web Services (AWS) في الإمارات، إضافة إلى مركز آخر في البحرين، خلال هجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأظهرت هذه الهجمات أن مراكز البيانات، رغم طبيعتها المدنية والتكنولوجية، يمكن أن تصبح أهدافًا مهمة في أي صراع يستهدف البنية التحتية المرتبطة بالولايات المتحدة أو المصالح الاستراتيجية للدول الخليجية.
ولم يتوقف الأمر عند الأضرار التي لحقت بمراكز البيانات، إذ أصدرت القوات المسلحة الإيرانية في أبريل مقطع فيديو حذرت فيه من أن مشروع Stargate UAE قد يكون من بين الأهداف المحتملة، وأظهر الفيديو خريطة زُعم أنها تحدد موقع المجمع.
دفاعات جوية لحماية مراكز البيانات
في ضوء هذه التطورات، تدرس الإمارات إدخال أنظمة دفاع جوي ضمن التصميم الأمني الجديد للمشروع.
وتشمل الخيارات المطروحة أنظمة لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى وسائل للتشويش الإلكتروني يمكن استخدامها للتعامل مع بعض أنواع التهديدات القادمة من الجو.
وبذلك لن تكون حماية المشروع قائمة فقط على الإجراءات التقليدية مثل الحراسة والأسوار، وإنما ستصبح الحماية الجوية جزءًا من البنية الأمنية المحيطة بمراكز الحوسبة.
كما يجري بحث استخدام مواد إنشائية أكثر قدرة على تحمل الانفجارات، بينها الخرسانة المقاومة للانفجار، إلى جانب تجهيز المنشآت بمصادر احتياطية للطاقة وأنظمة تبريد بديلة.
وتكتسب أنظمة الطاقة والتبريد أهمية خاصة بالنسبة لمراكز البيانات، لأن توقف الكهرباء أو التبريد لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الخوادم وإخراج منشآت الحوسبة من الخدمة حتى من دون تدميرها بشكل مباشر.
بعض المنشآت قد تنتقل تحت الأرض
ومن أبرز الأفكار التي تدرسها السلطات الإماراتية وضع بعض المكونات الحساسة للمشروع تحت الأرض.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بوضع جميع مراكز البيانات تحت الأرض، وإنما حماية الأنظمة الأكثر أهمية، خصوصًا تلك التي تتعامل مع بيانات حساسة أو ترتبط بالبنية التحتية الحكومية والعسكرية.
كما يجري بحث إمكانية استخدام منشآت داخل المناطق الجبلية بالنسبة إلى بعض الأنظمة شديدة الحساسية.
وتملك الإمارات مناطق جبلية في شمال وشمال شرق البلاد، خصوصًا في إمارتي رأس الخيمة والفجيرة، وهو ما قد يوفر خيارات إضافية لبناء منشآت أكثر تحصينًا.
ويأتي هذا التوجه في إطار نماذج موجودة بالفعل في دول أخرى، حيث جرى تحويل بعض المناجم والمنشآت القديمة والمخابئ والكهوف إلى مواقع لاستضافة بنية تحتية رقمية شديدة الحساسية.
المشروع لن يتوقف
ورغم هذه التغييرات، لا تشير المعطيات إلى أن الإمارات قررت وقف مشروعها الضخم للذكاء الاصطناعي.
وقالت شركة G42، التي تقود المشروع، إن العمل في مجمع الذكاء الاصطناعي يتقدم وفق الخطة، مشيرة إلى أن تفاصيل المشروع تخضع لمراجعة مستمرة بما يتناسب مع متطلبات الأمن والمرونة التشغيلية للبنية التحتية الحيوية بهذا الحجم.
كما قالت OpenAI إنها تعمل مع الإمارات لتحقيق رؤيتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنها تحرز تقدمًا في البنية التحتية والأولويات اللازمة لتوسيع استخدام التكنولوجيا.
وبحسب المعلومات المتاحة، من المتوقع أن تستمر المرحلة الأولى من المشروع، لكن مع إدخال تعديلات لحماية الموقع من الهجمات الجوية، بينما قد يجري توزيع المراحل اللاحقة على عدة مواقع داخل الإمارات.
مشروع بـ30 مليار دولار
ويأتي هذا المشروع ضمن طموح إماراتي أوسع لتحويل الدولة إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وتقوده شركة G42 بالتعاون مع عدد من أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية.
وتبلغ قيمة المرحلة الأولى المعروفة باسم Stargate UAE نحو 30 مليار دولار، وتستهدف إنشاء مركز حوسبة بقدرة تصل إلى 1 غيغاواط.
ومن المقرر أن تدخل أول قدرة تبلغ نحو 200 ميغاواط الخدمة خلال عام 2026، على أن تتوسع القدرة تدريجيًا ضمن المشروع الأكبر الذي يستهدف الوصول إلى 5 غيغاواط.
ويشارك في المبادرة عدد من الشركات الكبرى، بينها OpenAI وOracle وNVIDIA وCisco وSoftBank، ما يجعل المشروع أحد أبرز الاستثمارات العالمية في البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
من مركز بيانات إلى بنية تحتية محصنة
وتكشف التعديلات التي تدرسها الإمارات عن تحول مهم في مفهوم بناء مراكز البيانات العملاقة.
ففي السابق، كانت الاعتبارات الأساسية تتمثل في توفير الكهرباء والمياه والتبريد ومساحات الأراضي وشبكات الاتصالات، إضافة إلى تأمين الشرائح والمعالجات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أما الآن، فقد أصبحت الحماية العسكرية واستمرارية التشغيل أثناء الأزمات جزءًا أساسيًا من تصميم هذه المنشآت.
وبالنسبة إلى الإمارات، لا يتعلق الأمر بحماية خوادم فقط، بل بحماية مشروع استراتيجي تراهن عليه أبوظبي لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي للذكاء الاصطناعي.
وهكذا، دفعت الضربات الإيرانية الإمارات إلى إعادة رسم جزء من المشروع قبل اكتماله: منشآت موزعة بدل موقع واحد، أنظمة دفاع جوي، تحصينات ضد الانفجارات، مصادر احتياطية للطاقة والتبريد، وربما منشآت تحت الأرض أو داخل الجبال لحماية البيانات الأكثر حساسية.
ومع ذلك، تؤكد المؤشرات أن سباق الإمارات نحو بناء مركز عالمي للذكاء الاصطناعي مستمر، لكن المشروع بات يُبنى وفق حسابات أمنية جديدة فرضتها طبيعة الصراع في المنطقة.










