باريس- المنشر_الاخباري
يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واحدة من أصعب لحظات مسيرته السياسية، بعدما تراجعت نسبة تأييده إلى مستوى قياسي بلغ 16% فقط، وفق أحدث استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أبسوس Ipsos-BVA لصالح صحيفة La Tribune Dimanche، في مؤشر جديد على اتساع فجوة الثقة بين الرئيس والشارع الفرنسي.
وأظهر الاستطلاع أن 81% من الفرنسيين غير راضين عن سياسات ماكرون، في أدنى مستوى تأييد يسجله الرئيس في استطلاعات Ipsos-BVA منذ وصوله إلى قصر الإليزيه عام 2017. كما تراجعت شعبية رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى 20% فقط، مقابل 70% أعربوا عن عدم رضاهم عن أدائه.
وقال نائب المدير العام لأبسوس Ipsos، بريس تانتورييه، إن الاستياء الشعبي بلغ مستويات مرتفعة للغاية، مشيرًا إلى أن المشكلات المرتبطة بحل الجمعية الوطنية والأزمة السياسية والمالية وتراجع القدرة الشرائية أصبحت تتفاقم في الوقت نفسه.
وتأتي هذه الأرقام في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لماكرون، الذي لا يستطيع الترشح لولاية رئاسية ثالثة في انتخابات 2027 بعد أن شغل الرئاسة لولايتين متتاليتين. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتحول شعبية الرئيس الحالية إلى عامل سياسي مؤثر على مستقبل معسكره وعلى فرص القوى السياسية التي تسعى إلى خلافته.
ولا يقتصر التراجع على الرئيس وحده، إذ يبدو أن الأزمة السياسية والاقتصادية تضغط كذلك على الحكومة الجديدة. ويأتي انخفاض شعبية لوكورنو إلى 20% ليعكس حجم الصعوبة التي تواجهها السلطة التنفيذية في إقناع الفرنسيين بقدرتها على معالجة الملفات الأكثر إلحاحًا.
ويتصدر تراجع القدرة الشرائية قائمة المخاوف الاقتصادية لدى الفرنسيين، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا مرتبطة بارتفاع الأسعار وتكاليف الطاقة وضعف الاستهلاك وتباطؤ النمو.
وتؤكد بيانات اقتصادية حديثة حجم التحدي. فقد أشارت تقديرات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي إلى أن الاقتصاد الفرنسي قد يحقق نموًا لا يتجاوز 0.4% خلال 2026، بينما تراجع الدخل المتاح للأسر وواجه الاستهلاك ضغوطًا متزايدة.
كما أظهرت تقارير اقتصادية أن المستهلكين الفرنسيين بدأوا تقليص نفقاتهم غير الأساسية، مع تزايد المخاوف بشأن التضخم وتكاليف الطاقة واستقرار الدخول، وهو ما يجعل القدرة الشرائية واحدة من أهم القضايا التي ستحدد المزاج السياسي قبل انتخابات 2027.
وتزداد صعوبة المشهد بالنسبة إلى ماكرون بسبب الانقسام السياسي داخل البرلمان، والصعوبات المتكررة في تمرير الموازنات والإصلاحات، إضافة إلى الضغوط المتعلقة بالعجز والدين العام.
وفي هذا المناخ، بدأت تظهر في فرنسا أجواء سياسية توصف بأنها أقرب إلى «نهاية العهد»، إذ لم يعد النقاش يدور فقط حول أداء الرئيس الحالي، وإنما حول شكل المرحلة التي ستأتي بعده، ومن سيتمكن من ملء الفراغ السياسي الذي سيتركه انتهاء ولايته.
وتشير تحليلات سياسية حديثة إلى أن المشهد الانتخابي الفرنسي يتجه نحو مزيد من التشتت، مع صعود قوى اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، بينما تواجه الأحزاب التقليدية والتيار الوسطي صعوبة في تقديم مشروع قادر على استعادة ثقة الناخبين.
ويزيد من تعقيد المشهد أن ماكرون، رغم عدم قدرته على خوض انتخابات 2027، لا يزال يمثل الشخصية الرئيسية في المعسكر الوسطي، ما يعني أن انهيار شعبيته يمكن أن ينعكس على المرشحين الذين سيحاولون الدفاع عن إرثه السياسي أو البناء عليه.
ومع وصول التأييد إلى 16%، يبدو أن الرئيس الفرنسي يدخل المرحلة الأخيرة من ولايته في وضع سياسي شديد الصعوبة، بينما تواجه حكومته الجديدة أزمة ثقة لا تقل خطورة.
ويبقى السؤال الأكبر بالنسبة إلى معسكر ماكرون: هل تستطيع السلطة خلال الأشهر المقبلة استعادة ثقة الفرنسيين عبر تحسين الوضع الاقتصادي واحتواء أزمة القدرة الشرائية، أم أن الانخفاض القياسي في شعبية الرئيس والحكومة سيكون مقدمة لتحول سياسي كبير في فرنسا مع اقتراب انتخابات 2027؟










