شكلت منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة منصة غير معتاد تماما لزعيم قوة عظمى عالمية لكي يهدد صراحة بإبادة دولة أخرى مثل إيران، أو ليعلن بكل وضوح أن “الغنائم من نصيب المنتصر”.
ومع ذلك، كان هذا بالضبط ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ إذ وجدد تهديداته الشديدة لإيران في حال فشلها في إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الحرب، إلى جانب تبريره العلني لمطالبات واشنطن باحتياطيات النفط الفنزويلية عقب الإطاحة بزعيم البلاد.
ولطالما أبدى ترامب تشكيكه الواضح في جدوى الأمم المتحدة، واصفا إياها مرارا بأنها مؤسسة عفا عليها الزمن وغير فعالة. غير أن خطابه الأخير في الجلسة الافتتاحية السنوية جاء بمثابة رفض أمريكي صريح للمبدأ الجوهري الذي تأسست عليه المنظمة الدولية عام 1945، والمتمثل أساسا في “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”.
فالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يحظران صراحة على الدول الأعضاء التهديد بقوة السلاح ضد السلامة الإقليمية لأي دولة، إلا في حالات الدفاع المشروع عن النفس أو بتفويض أممي رسمي.
تكتيكات تفاوضية وتهديدات تمتد لكوبا
فيما يتعلق بالملف الإيراني، أشار ترامب إلى أنه هو وحده من سيتخذ قرار إبرام اتفاق مع طهران أو المضي قدما نحو “إبادة الجمهورية الإسلامية”. ورغم أن هذه التهديدات قد تبدو في مجملها جزءا من تكتيك تفاوضي ضاغط، حيث التقى مسؤولون أمريكيون بهدوء بنظراء إيرانيين في كواليس اجتماعات نيويورك دون إعلان نتائج حاسمة، إلا أن لهجة الإدارة الأمريكية تجاوزت حدود الأزمة الإيرانية.
فقد تعهد ترامب بسقوط الحكومة الكوبية بطريقة أو بأخرى، مستحضرا أدبيات ما يعرف بـ “دبلوماسية الزوارق الحربية” التي تعود لأكثر من قرن مضى. ولم يبد على الرئيس أي انزعاج من تبني هذا النهج، مظهرا استعدادا تاما لتسخير القوة العسكرية والاقتصادية الضخمة للولايات المتحدة ليس فقط لتأمين الموارد الاستراتيجية الحيوية مثل نفط فنزويلا، بل ولتحقيق مكاسب وأرباح مباشرة تعزز الاقتصاد الوطني.
جوهر السياسة الخارجية في الولاية الرئاسية الثانية
باختصار شديد، عكس خطاب ترامب بوضوح المعالم الكبرى والجوهرية لسياسة ولايته الرئاسية الثانية، والتي تقوم على اعتماد القوة المفرطة لتحقيق الأهداف الوطنية بدلا من الانخراط في المسارات الدبلوماسية الشاقة والبطيئة القائمة على التسويات المتعددة الأطراف.
وبدلا من الاعتراف بدور المؤسسات الدولية التي يرى وجوب اصطفافها خلف الرؤية الأمريكية، يؤكد ترامب أن واشنطن ماضية في فرض رؤيتها الأحادية القائمة على مبدأ أن القوة والظفر هما اساس التعاملات الدولية المعاصرة.









