يشهد المشهد السياسي والمؤسسي في ألبانيا هزة أرضية غير مسبوقة، إثر تفجر قضية بالغة الخطورة تورطت فيها رئيسة جهاز المخابرات الألبانية (SHISH)، فلورا هيسيني، التي وجدَت نفسها في عين العاصفة بعد أن فرض مكتب المدعي العام الخاص لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة (SPAK) إجراء الإقامة الجبرية بحقها.
ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ أصدر رئيس الجمهورية، بايرام بيجاي، مرسوماً رسمياً يقضي بإقالتها الفورية من منصبهارأس الهرم الاستخباراتي في البلاد.
وتتطور هذه القضية بسرعة متسارعة لتتحول إلى فضيحة مدوية قد تطيح بشخصيات رفيعة المستوى أخرى في الدولة، وسط ذهول الأوساط السياسية والشعبية، وتأتي في وقت حساس تخضع فيه مؤسسات البلاد لرقابة أوروبية دقيقة على مسار الإصلاح القضائي ومكافحة الجريمة المنظمة.
اتهامات خطيرة بإفشاء أسرار الدولة وحماية مطلوبين
ووجهت النيابة العامة المختصة بمكافحة الفساد تهمًا قاسية ومباشرة إلى رئيسة المخابرات السابقة، تتعلق بـ “إفشاء أسرار الدولة” و”دعم مرتكب جريمة منظمة”، وهي تهم بالغة الخطورة لمسؤول يشغل أرفع منصبيات جمع وحماية معلومات الأمن القومي.
وبحسب التحقيقات الأولية، تشتبه السلطات في أن هيسيني استغلت موقعها وصلاحياتها الواسعة لتسريب معلومات سرية للغاية بهدف مساعدة المدعو إرجيس أغاسي على الإفلات من قبضة العدالة والتهرب من الاعتقال.
يُذكر أن أغاسي يقبع خلف القضبان منذ شهر أغسطس الماضي، على خلفية اتهامات بقيادة شبكة إجرامية واسعة النطاق في إطار تحقيق استقصائي موسع يستهدف وكالة الخدمات العامة والرقمنة الألبانية (AKSHI).
دراما العودة السرية وتوسيع دائرة الاعتقالات
وفي سيناريو يشبه الأفلام السينمائية، جاءت عملية إلقاء القبض وتنفيذ الإقامة الجبرية في أعقاب دراما تنقلات واسعة، إذ كانت هيسيني تؤدي مهام رسمية وتشارك في منتدى دولي لمكافحة الإرهاب بالعاصمة الأذربيجانية باكو. وفور تسرب أنباء الإجراءات القانونية بحقها، غادرت على عجل متجهة نحو مطار بريشتينا، ومن ثم عبرت الحدود البرية عبر معبر مورينا الحدودي في كوكيس، حيث كانت في انتظارها قوة أمنية خاصة رافقتها بسيارة مدنية حتى منزلها في العاصمة تيرانا لفرض الإقامة الجبرية.
ولم تقتصر حملة السلطات القضائية على رئيسة المخابرات، بل امتدت لتشمل توقيف شخصيات أمنية وحكومية أخرى، من بينهم فاجيون كالوتشي، رئيس قسم جهاز الشرطة العلمية، الذي يواجه تهماً بتسريب معلومات سرية، إلى جانب إيبرو سليماني، رئيس النادلين بمطعم يقع ضمن مجمع الفيلات الحكومية في مدينة دوريس. وتُظهر التحقيقات أن سليماني تورط في مساعدة أغاسي عبر التلاعب وحذف كاميرات المراقبة الخاصة بالمطعم لإخفاء أدلة تردده على المكان الذي يُعرف بارتياده من قِبل نخبة من السياسيين والمسؤولين البارزين.
عمليات تفتيش واسعة وتشعبات تطال قيادات شرطية
وشنت وحدات النخبة التابعة لـ (SPAK)، مدعومة بقوات الشرطة الخاصة، سلسلة مداهمات فجرية شملت مجمع الفيلات في دوريس، والتي تُعتبر قاعدة لأنشطة شخصيات مرتبطة بشبكات الجريمة المنظمة مثل فيسيت بوجا. كما استهدفت عمليات التفتيش منزل المدير العام السابق للشرطة الألبانية، إيلير برودا، وسط شبهات بوجود علاقة وثيقة تربطه بمسؤولين أمنيين موقوفين سابقاً على ذمة التحقيقات في ذات القضية، مثل مدير الشرطة السابق أوليان سباتاراكو. وقد استندت السلطات في توسيع نطاق حملتها إلى أدلة رقمية ومعلومات مستخرجة من الهواتف المحمولة المضغوطة للمتهمين الرئيسيين.
مسيرة مهنية مثيرة للجدل وردود فعل رسمية حاسمة
يُذكر أن مسيرة فلورا هيسيني المهنية تميزت بالتقلبات الشديدة؛ فقد بدأت مسارها داخل أجهزة المخابرات في كوسوفو وصولاً إلى منصب نائبة المدير عام 2019، قبل أن تتم إقالتها في عام 2021 بقرار من رئيسة كوسوفو فيوسا عثماني.
وفي عام 2023، رشحها رئيس الوزراء إيدي راما لرئاسة جهاز المخابرات الألباني وسط اعتراضات ومخاوف أبدتها المعارضة بشأن خلفيتها المهنية، إلا أن الرئيس بايرام بيجاي صدّر قرار تعيينها آنذاك.
من جانبه، علق رئيس الوزراء إيدي راما، الموجود حالياً في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، على الفضيحة مؤكداً عبر منصة (X) أنه عزلها من مهامها وأنه سيتم اختيار خليفة لها بالتشاور مع رئيس الجمهورية، مشدداً على مبدأ أن “الجميع بريء حتى تثبت إدانته، ولكن لا أحد فوق القانون”.
وتأتي هذه التطورات لتشكل اختباراً مصيرياً لحكومة راما وجهودها الحثيثة لإثبات جديتها في اجتثاث الفساد، لاسيما في ظل المراقبة الأوروبية الحثيثة لملفات الجريمة المنظمة باعتبارها شرطاً أساسياً وحاسماً لمساعي ألبانيا الحثيثة للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.








