نيويورك- المنشر_الاخباري
شنّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هجومًا حادًا على ما وصفه بـ«ازدواجية المعايير» في التعامل الدولي مع القضايا النووية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن تحقيق الثقة بين الدول يتطلب تطبيق القواعد الدولية بصورة متساوية، وليس وفقًا لمصالح القوى الكبرى.
وقال بزشكيان، خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الأربعاء، إن القضية لا يمكن حلها بمجرد إطلاق التصريحات، وإنما تحتاج إلى التخلي عن المعايير المزدوجة في التعامل مع الدول، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا متزايدة بسبب برنامجها النووي والحرب مع الولايات المتحدة.
«القنبلة النووية في إسرائيل والمفتشون في إيران»
وفي أبرز أجزاء خطابه، قال الرئيس الإيراني إن الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل موجودة لدى إسرائيل، بينما تُطالب إيران بالسماح بعمليات التفتيش الدولية.
وقال بزشكيان: «القنبلة النووية في إسرائيل، لكن المفتشين في إيران»، معتبرًا أن هذا الوضع يمثل، من وجهة نظر طهران، مثالًا واضحًا على المعايير المزدوجة في النظام الدولي.
وأضاف أن إسرائيل، بحسب ما طرحه في خطابه، ليست عضوًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بينما تواجه إيران مطالب متكررة بالتعاون مع المفتشين الدوليين بشأن برنامجها النووي.
وتشير التقارير الدولية إلى أن إسرائيل تتبع سياسة الغموض النووي، ولا تعلن رسميًا امتلاكها أسلحة نووية، في حين أن إيران عضو في معاهدة عدم الانتشار وتخضع منشآتها النووية لنظام الضمانات التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية بدرجات متفاوتة من الوصول والتعاون، وهي نقطة تقع في قلب الخلاف المستمر بين طهران والقوى الغربية.
بزشكيان: لا نريد أسلحة نووية
وفي المقابل، أكد الرئيس الإيراني أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنه شدد على تمسك طهران بما تعتبره حقها في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
وقال بزشكيان إن إيران لا تريد أسلحة نووية، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل فرض قيود على التكنولوجيا النووية السلمية التي تعتبرها حقًا أصيلًا لها.
وأضاف أن بلاده لن تتنازل عن حقها في الدفاع عن نفسها، في رسالة تعكس تمسك طهران بقدراتها الدفاعية في ظل الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين واشنطن وطهران، بينما لا تزال القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والضمانات الدولية في صدارة الخلافات بين الطرفين.
انتقادات للعقوبات والضغط الاقتصادي
كما هاجم بزشكيان العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، معتبرًا أنها لا تستهدف الحكومات فقط وإنما تؤثر على حياة المواطنين والطبقات الأكثر ضعفًا.
وقال إن العقوبات لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لمعاقبة الشعوب أو فرض إرادة القوى الكبرى، داعيًا إلى اعتماد معيار واحد في التعامل مع الدول بغض النظر عن كونها حليفًا أو خصمًا.
وأضاف أن إيران لا تطلب امتيازات خاصة، وإنما تطالب بما وصفه بـ«الحقوق المتساوية»، مؤكدًا استعداد بلاده لتحمل مسؤولياتها الدولية.
وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا مرتبطة بملفها النووي، وسط مطالب دولية بزيادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والسماح بوصول المفتشين إلى المواقع والمنشآت ذات الصلة بالبرنامج النووي.
تحذير من عالم تحكمه القوة
وحذر الرئيس الإيراني من أن تراجع الثقة في المؤسسات الدولية والقانون الدولي قد يدفع الدول إلى الاعتماد بصورة أكبر على قوتها العسكرية الخاصة بدلًا من الآليات الدبلوماسية.
وقال إن تطبيق القانون الدولي فقط عندما يتوافق مع مصالح القوى القوية سيؤدي إلى عالم أكثر خطورة، لأن الدول قد تستنتج أن أمنها لا يمكن ضمانه إلا من خلال تطوير قدراتها الذاتية.
وأكد أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع توفير أمن مستدام، داعيًا إلى معالجة النزاعات من خلال الحوار والدبلوماسية بدلًا من الحرب والضغوط.
كما دعا المجتمع الدولي إلى رفض ما وصفه بتحول السياسة الدولية إلى ساحة تستخدم فيها القوة العسكرية والعقوبات والاغتيالات بدلًا من الحوار والحلول السياسية.
«إيران لن تستسلم»
وفي جانب آخر من خطابه، أكد بزشكيان أن إيران لن تستسلم في الحرب مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه أبقى الباب مفتوحًا أمام المسار الدبلوماسي.
وقال إن طهران مستعدة للحوار والتفاوض، ولكن من دون قبول ما وصفه بـ«لغة القوة».
وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني بعد يوم واحد من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة، والذي تناول فيه الحرب مع إيران وبرنامجها النووي، مؤكدًا أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.
وفي المقابل، قال بزشكيان إن إيران أثبتت أنها لا تخشى الحرب إذا فُرضت عليها، مؤكدًا أن بلاده ستواصل الدفاع عن نفسها، مع التشديد على أن الدبلوماسية تظل الطريق الذي يمكن من خلاله إنهاء الصراع.
اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران
ويتزامن خطاب بزشكيان مع تحركات دبلوماسية شهدتها نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث جرت اتصالات غير مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين عبر وسطاء.
وبحسب رويترز، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات مع مبعوثين أمريكيين، من بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، عبر وسطاء، في أول اتصالات من هذا النوع منذ أشهر، وسط آمال بإمكانية إحراز تقدم نحو إنهاء الحرب، رغم عدم إعلان الطرفين عن تغيير جوهري في مواقفهما.
وقال الرئيس الأمريكي إن المحادثات التي جرت عبر وسطاء كانت «مثمرة»، بينما أكدت طهران أن أي مسار تفاوضي يجب أن يتناول وقف الحرب وإنهاء ما تعتبره أعمالًا عدائية أمريكية ضد إيران.
رؤية إيرانية لنظام دولي جديد
وفي ختام خطابه، طرح بزشكيان رؤية تقوم على المساواة بين الدول والعدالة ورفض استخدام القانون الدولي بصورة انتقائية.
وأكد أن إيران تريد السلام، لكنها لا ترى أن السلام يمكن أن يتحقق من خلال التخلي عن قدراتها الدفاعية أو حقوقها في التكنولوجيا النووية السلمية.
كما دعا إلى بناء منظومة أمن إقليمية مشتركة، معتبرًا أن أمن دولة واحدة في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق بصورة دائمة بمعزل عن أمن بقية دول المنطقة.
ويأتي خطاب بزشكيان في واحدة من أكثر المراحل توترًا في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، بينما تتواصل المساعي الدبلوماسية في نيويورك بحثًا عن مخرج للحرب، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وعمليات التفتيش الدولية، وأمن الملاحة في المنطقة.










