الدفاع السورية تعيّن “قاتل هفرين خلف” المدرج على قوائم العقوبات الأمريكية قائداً للفرقة 86 في المنطقة الشرقية
أثار قرار وزارة الدفاع السورية بتعيين أحمد الهايس، المعروف بـ “أبو حاتم شقرا”، قائداً للفرقة 86 التي تشمل محافظات الجزيرة السورية، استياءً واسعاً خاصةً بين الأكراد وعائلة السياسية الكردية هفرين خلف التي اغتيلت عام 2019 على يد فصيل “أحرار الشرقية” الذي كان يقوده الهايس. المثير للجدل أن الهايس مدرج على قوائم العقوبات الأمريكية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وصلاته بتنظيم “داعش” الإرهابي، كما أنه ظهر مؤخراً في “مؤتمر النصر” الذي نُصّب فيه أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا بعد سقوط نظام الأسد.
تفاصيل التعيين
قامت وزارة الدفاع السورية اليوم الاثنين، 5 مايو 2025، بتعيين أحمد الهايس، المعروف بلقب “أبو حاتم شقرا”، قائداً للفرقة 86 في المنطقة الشرقية من سوريا، والتي تشمل محافظات دير الزور والحسكة والرقة (الجزيرة السورية).
ويأتي هذا التعيين ضمن سلسلة من التغييرات والتعيينات الجديدة التي شهدتها قيادة الجيش السوري مؤخراً، والتي شملت تعيين فهيم عيسى، القائد السابق لفرقة السلطان مراد الموالية لتركيا، نائباً لوزير الدفاع وقائداً للمنطقة الشمالية في سوريا، بحسب ما ذكرته وكالة “نورث برس”.
وقد أثار هذا القرار، الذي تداولته وسائل إعلام سورية، موجة غضب واسعة بين السوريين على منصات التواصل الاجتماعي، إذ إن الهايس مدرج على قوائم العقوبات الأميركية بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان وصلاته بتنظيم “داعش” الإرهابي، كما أنه متهم باغتيال السياسية الكُردية هفرين خلف، عام 2019.
من هو أحمد الهايس؟
أحمد الهايس، أو “أبو حاتم شقرا”، هو قائد فصيل “أحرار الشرقية” المنضوي سابقاً ضمن “الجيش الوطني السوري” المدعوم تركياً. وقد أعلن حلّ فصيله ودمجه ضمن وزارة الدفاع السورية، خلال “مؤتمر النصر” الذي انعقد أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، وهو المؤتمر الذي نُصّب فيه أحمد الشرع رئيساً لسوريا في المرحلة الانتقالية.
ذاع صيت فصيل الهايس بارتكاب “جرائم بشعة”، حيث كان تابعاً سابقاً لـ”جبهة النصرة / هيئة تحرير الشام”، قبل أن ينضم إلى “الجيش الوطني السوري”. وينسب إليه مراقبون ارتكاب جرائم بحق الإيزيديين في منطقتي اعزاز وعفرين بريف حلب، إلى جانب تورطه في عمليات اختطاف والمتاجرة بالأسر المختطفة.
وفي العام 2021، أُدرج فصيل الهايس على قائمة العقوبات الأمريكية، بسبب ارتكابه انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت القتل والخطف والتعذيب ومصادرة الممتلكات الخاصة، فضلاً عن تجنيد عناصر من تنظيم “داعش” ضمن صفوفه، وفق بيان صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية.
وقالت وزارة الخزانة إنها تمنع أي أصول وتحظر أي معاملات أمريكية مع تنظيم أحرار الشرقية، الذي قتل مئات آخرين منذ 2018 في سجن يديره، وفقاً لما ورد في تقارير إعلامية. كما أكدت إيمي كترونا، المسؤولة بوزارة الخارجية الأمريكية، أن “هذه القرارات تأتي كتذكير بأن الولايات المتحدة ستستخدم جميع أدواتها الدبلوماسية لتعزيز مساءلة الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات ومعاناة ضد الشعب السوري”.
جريمة اغتيال هفرين خلف
هفرين خلف، المهندسة المدنية والسياسية السورية الكردية من مواليد 15 نوفمبر 1984، كانت تشغل منصب الأمين العام لحزب سوريا المستقبل. اغتيلت في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2019، على الطريق الدولي M4 جنوب تل أبيض، خلال الهجوم التركي على شمال شرق سوريا.
في ذلك اليوم المشؤوم، انطلقت هفرين بسيارتها من الحسكة متجهة غرباً على الطريق السريع M4 إلى مقر حزبها في الرقة. كان ذلك بعد ثلاثة أيام فقط من انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة وبدء تركيا عملية “نبع السلام”. اعترض مسلحون من فصيل “أحرار الشرقية” سيارتها في كمين بالقرب من قرية الأرتوازية، وقاموا بإخراجها منها بالقوة وإعدامها ميدانياً مع سائقها ومرافقيها.
وكشف تقرير لمنظمة الأمم المتحدة أن هفرين خلف تعرضت للتعذيب قبل إعدامها، حيث تعرضت للضرب بآلة حادة وصلبة أدت إلى حدوث كسور وجروح بالرأس وسائر أعضاء الجسم، كما وجدت آثار جر من الشعر قبل إطلاق النار على رأسها من مسافة قريبة. وبعد أن هز فيديو مقتلها العالم بأسره لما حمله من وحشية وعنف، وصف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الجريمة بأنها “جريمة حرب محتملة”.
ردود الفعل على تعيين الهايس
انتقد العديد من السوريين قرار تعيين الهايس على منصات التواصل الاجتماعي، معبّرين عن استيائهم بالقول إن “جميع المطلوبين على قوائم الإرهاب باتوا اليوم قادة ومسؤولين، ثم تطالب السلطات بدمشق برفع العقوبات!”، معتبرين أن مثل هذه القرارات لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وتعزيز الطائفية والصراعات الأهلية، فضلا عن دفع البلاد نحو مزيد من الفوضى.
وكانت والدة هفرين خلف، سعاد مصطفى، قد دعت في وقت سابق إلى إخراج المرتزق حاتم أبو شقرا (أحمد الهايس) وكل من له يد في مقتل ابنتها من سوريا فوراً ومحاسبتهم على جرائمهم، وذلك على خلفية مشاركته في “مؤتمر النصر” بدمشق في يناير الماضي.
وأوضحت سعاد مصطفى في تصريحات نشرتها وكالة هاوار للأنباء قائلة: “لن أقبل أن يكون لقاتل هفرين أي دور في سوريا المستقبل، فكيف سيستلم القتلة والمجرمون والمرتزقة مهاماً؟”. واستنكرت مشاركة قاتل ابنتها في المؤتمر على مرأى ومسمع من العالم أجمع، مؤكدة أن “إرادة الشعب السوري فقط ستحدد من يجب أن يصبح مسؤولاً عليهم”.
وأشارت مصطفى إلى أن المرتزق حاتم أبو شقرا باع نفسه وكرامته لدولة الاحتلال التركي، حيث “الأخيرة تحركه كيف ووقتما تشاء لتنفيذ مخططاتها وجرائمها”. يذكر أن والدة هفرين خلف قدمت خلال حضورها لجلسة في البرلمان الأوروبي في شباط 2020، شكوى للمحاكم الدولية لمحاسبة مرتكبي جريمة اغتيال ابنتها.
سياق المرحلة الانتقالية في سوريا
يأتي قرار تعيين الهايس في سياق المرحلة الانتقالية التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث تم تشكيل حكومة انتقالية جديدة برئاسة أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) الذي نُصّب خلال “مؤتمر النصر” في أواخر يناير 2025.
وتشهد سوريا حالياً عمليات أمنية مكثفة لملاحقة فلول نظام الأسد المخلوع، وفق ما ذكرته صحيفة الشرق الأوسط، حيث تم القبض على عدد من المسؤولين السابقين في النظام، منهم العميد عبد الكريم المحيميد والمسؤول في غرفة عمليات العشائر بدير الزور، وقائد ميليشيا “فوج السيدة زينب” التابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب عمليات ضبط مخازن الأسلحة والمخدرات في مناطق مختلفة.
كما تجري محاولات لحل الفصائل العسكرية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما أعلن عنه خلال “مؤتمر النصر” المذكور، حيث أعلن العديد من قادة الفصائل المسلحة، ومن بينهم الهايس، حل فصائلهم ودمجها في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
أهمية المنطقة الشرقية والفرقة 86
تتمتع المنطقة الشرقية من سوريا، التي تضم محافظات دير الزور والحسكة والرقة، بأهمية استراتيجية كبيرة لاحتوائها على معظم موارد النفط والغاز في البلاد، فضلاً عن موقعها الحدودي مع العراق وتركيا، مما يجعلها منطقة حيوية من الناحيتين الاقتصادية والأمنية.
كما تتميز المنطقة بتركيبتها السكانية المتنوعة، حيث يتعايش فيها العرب والأكراد والتركمان والآشوريون والسريان، مما يضفي عليها حساسية خاصة من الناحية السياسية، لا سيما وأن محافظة الحسكة كانت معقلاً للإدارة الذاتية الكردية التي تشكلت عام 2014، والتي كانت هفرين خلف من أبرز وجوهها السياسية قبل تأسيسها لحزب سوريا المستقبل عام 2018.
ويأتي تعيين الهايس قائداً للفرقة 86 في هذه المنطقة الحساسة، ليثير المزيد من المخاوف حول مصير المنطقة ومستقبل مكوناتها المتنوعة، خصوصاً في ظل التاريخ الدموي للهايس وفصيله تجاه المكونات غير العربية.
تداعيات التعيين على المشهد السوري
يثير تعيين شخصية مثيرة للجدل كالهايس في منصب عسكري رفيع، تساؤلات جدية حول مدى التزام السلطات الانتقالية في سوريا بمبادئ العدالة الانتقالية والمساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات الصراع. كما يطرح أسئلة حول توجهات النظام الجديد وعلاقاته الخارجية، لا سيما مع الولايات المتحدة التي أدرجت الهايس على قوائم عقوباتها.
ومن شأن هذا التعيين أن يوتر العلاقات مع المكون الكردي بشكل خاص، وأن يؤجج المخاوف من استمرار نهج الإقصاء والتهميش تجاه المكونات غير العربية في سوريا، مما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية ويعقد مسار الحل السياسي الشامل.
كما أن تعيين شخصيات متهمة بجرائم حرب وانتهاكات حقوق إنسان في مناصب قيادية، يضع عقبات جدية أمام جهود إعادة تأهيل سوريا دولياً ورفع العقوبات المفروضة عليها، ويعيق جهود إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين.
في المحصلة، يبدو أن تعيين الهايس قائداً للفرقة 86 يُمثل خطوة مثيرة للجدل تعكس تحديات المرحلة الانتقالية في سوريا، وتكشف عن التوترات والتناقضات التي تواجه السلطات الجديدة في محاولاتها لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.










