تعيش الساحة الفنية في مصر خلال الأيام الأخيرة حالة من الاحتقان على خلفية أزمة جديدة بطلاها الفنان القدير أحمد ماهر، والنجم رامز جلال وشقيقه الفنان ياسر جلال، بعد تداول مقطع فيديو اعتُبر مسيئًا لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد الشقيقين، ما فتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حدود حرية الرأي ومسؤولية الفنان عن كلمته داخل وخارج الكاميرا.
بدأت الأزمة عندما انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه أحمد ماهر متحدثًا عن برامج المقالب التي يقدمها رامز جلال، ليتضمن المقطع ألفاظًا وعبارات فسّرها كثيرون على أنها تحمل سبًا وتجريحًا ليس فقط في حق رامز، بل وتمتد لتشمل والده المخرج الراحل جلال توفيق، وهو ما أثار غضب شريحة واسعة من الجمهور، واعتبره البعض تجاوزًا لحرمة الموتى ولرمزية اسم فني ترك بصمته في تاريخ الدراما المصرية.
الفيديو المتداول، الذي يُرجَّح أن تصويره يعود إلى فترة سابقة، لم يمر مرور الكرام هذه المرة، إذ جاء في سياق حساس يتزامن مع استمرار حضور رامز جلال القوي في موسم رمضان ببرنامجه الجديد «رامز ليفل الوحش»، الذي يثير بدوره جدلًا كبيرًا حول حدود المزاح والمخاطرة في برامج المقالب، وهو ما أضفى على تصريحات أحمد ماهر بعدًا إضافيًا وربط في أذهان المتابعين بين خلافات فنية قديمة وأخرى راهنة.
من الناحية القانونية، تحركت أسرة رامز وياسر جلال سريعًا، وأعلنت – عبر بيان صادر عن مكتب المستشار أشرف عبد العزيز، المحامي بالنقض – بدء متابعة إجراءات التحقيق داخل نقابة المهن التمثيلية بشأن ما صدر من أحمد ماهر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، تمهيدًا لاتخاذ كل الخطوات القانونية الممكنة، ليس فقط ضد صاحب التصريحات، بل أيضًا ضد من قام بتصوير الفيديو ونشره أو إعادة تداوله على المواقع والمنصات الإلكترونية.
وأكد البيان القانوني أن فريق الدفاع المكلف من جانب الشقيقين يتعامل مع الواقعة بوصفها اتهامات مكتملة الأركان بالسب والقذف تمس السمعة والاعتبار، مشيرًا إلى أن ملاحقة مصوري وناشري الفيديو تأتي انطلاقًا من أن إعادة نشر محتوى مسيء يُعد مشاركة في الجريمة وليس مجرد نقلًا محايدًا للأحداث، وهو طرح قانوني من شأنه أن يثير نقاشًا واسعًا حول مسؤولية المحتوى المتداول على السوشيال ميديا.
على خط موازٍ، لم تقف نقابة المهن التمثيلية مكتوفة الأيدي، حيث أصدرت برئاسة الدكتور أشرف زكي بيانًا رسميًا قدّمت خلاله اعتذارًا واضحًا وصريحًا لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، وللفنانين ياسر جلال ورامز جلال، عن التصريحات التي صدرت من أحمد ماهر، مؤكدة أن ما بدر عنه لا يمثل قيم وتقاليد الوسط الفني ولا يعبر عن سياسة النقابة في احترام الرموز والزملاء.
وأعلنت النقابة إحالة الواقعة إلى «تحقيق عاجل»، استنادًا إلى اللوائح المنظمة لعملها، للوقوف على ملابسات ظهور الفيديو وتقييم ما إذا كانت تصريحات أحمد ماهر تشكل خروجًا على ميثاق الشرف المهني، مع التلويح باتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة حال ثبوت الإدانة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تتراوح بين لفت النظر والإنذار وقد تصل إلى تجميد العضوية أو وقفها لفترة وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات.
وتعيد هذه الأزمة إلى الأذهان علاقة طويلة ومعقدة بين أحمد ماهر وبرامج رامز جلال، بدأت عندما وقع الفنان القدير ضحية لمقلب «رامز تحت الأرض» قبل سنوات، وانفجر وقتها في نوبة غضب عارمة أمام الكاميرات، وصلت إلى حد البصق في وجه رامز وضربه بعنف بعد خروجه من الرمال المتحركة، في واحد من أكثر مشاهد البرنامج إثارة للجدل، قبل أن يفرض الواقع التليفزيوني آنذاك منطقه بمرور الواقعة دون تصعيد قانوني أو نقابي.
ورغم أن أحمد ماهر صرح في مناسبات لاحقة بأن تجربة المقلب كانت «مشوقة لكنها محفوفة بالمخاطر»، مشيرًا إلى أنه استاء في البداية ثم تقبل الأمر بعد عرض الحلقة، إلا أن الفيديو المتداول حاليًا يعيد تفجير سؤال حول ما إذا كانت هناك رواسب نفسية أو مهنية ظلت عالقة في ذهنه تجاه طبيعة هذه البرامج وحدود السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية فيها.
من زاوية أخرى، فتح الجدل القائم باب النقاش حول «أخلاقيات التصريحات الفنية» وحدود النقد المقبول، فبينما يرى البعض أن للفنان الحق في إبداء رأيه في زميله أو في نوعية البرامج التي يقدمها، يؤكد آخرون أن حرية الرأي لا تبرر استخدام ألفاظ سب أو إهانة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية راحلة لا تملك حق الرد، الأمر الذي دفع مراقبين إلى اعتبار موقف نقابة المهن التمثيلية رسالة واضحة بأن الهيئات المهنية لن تتسامح مع التعدي اللفظي مهما كان الطرف الصادر عنه.
ويأتي هذا كله في وقت يستعد فيه كل من رامز وياسر جلال لموسم درامي وإعلامي مزدحم؛ إذ يواصل ياسر جلال حضورَه في الدراما التليفزيونية بعمل جديد يعرض حاليًا، بينما يطل رامز على الجمهور عبر برنامج «رامز ليفل الوحش»، ما يجعل الحفاظ على صورتهم الذهنية أمام الرأي العام أمرًا حيويًا، ويفسر إصرار الأسرة على عدم الاكتفاء ببيان اعتذار النقابة، واللجوء إلى مسار قضائي موازٍ.
في المقابل، يترقب الوسط الفني نتائج تحقيقات النقابة وما قد يسفر عنه تحرك القضاء، وسط تساؤلات عما إذا كانت الأزمة ستنتهي عند حدود الاعتذار الرسمي والتعهد بعدم تكرار الإساءة، أم أن الملف سيفتح على مصراعيه لمراجعة أوسع لأدبيات الحوار والتعليق في اللقاءات الإعلامية والندوات الفنية، خاصة في عصر تتحول فيه أي كلمة إلى مادة مشتعلة فور خروجها إلى فضاء السوشيال ميديا.
ومع غياب رد تفصيلي علني من أحمد ماهر على البيان القانوني الصادر من جانب رامز وياسر جلال حتى الآن، يبقى السؤال الأبرز: هل تشهد الأيام المقبلة مبادرة للتهدئة ولمّ الشمل بين طرفي الأزمة برعاية نقابية تحافظ على كرامة الجميع، أم أن الخلاف سيتطور إلى ساحة المحاكم، ليصبح أول نزاع قضائي كبير في عام ٢٠٢٦ يعيد تشكيل قواعد اللعبة في علاقة النجوم ببعضهم وبالجمهور؟










