الكونغرس يستعيد ورقة “صلاحيات الحرب”.. والبيت الأبيض يتحرك لمنع تقييد يد الرئيس
واشنطن- المنشر الإخبارى
تدخل العاصمة الأمريكية مرحلة سياسية دقيقة، مع تصاعد الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على خلفية العمليات العسكرية التي استهدفت مواقع مرتبطة بـ إيران. وبينما تصف الإدارة التحرك العسكري بأنه ضرورة أمنية لردع تهديدات وشيكة، يرى عدد متزايد من أعضاء الكونغرس الأمريكي أن القرار تجاوز حدود التفويض الدستوري الممنوح للرئيس.
الرئيس دونالد ترامب يجد نفسه في قلب عاصفة سياسية لا تقل تعقيدًا عن المشهد الإقليمي المتوتر. فالمعركة لم تعد فقط في ساحات المواجهة الخارجية، بل امتدت إلى أروقة الكابيتول، حيث تتبلور تحركات تشريعية قد تفرض قيودًا مباشرة على أي عمليات عسكرية مستقبلية ضد طهران.
إحاطات مغلقة.. وقلق مفتوح
في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، كثف البيت الأبيض جهوده للتواصل مع قيادات الحزبين. وشهد مبنى الكابيتول سلسلة اجتماعات مغلقة شارك فيها وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، إضافة إلى مسؤولين عسكريين واستخباراتيين رفيعي المستوى، بينهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.
الرسالة التي حاول المسؤولون إيصالها تمحورت حول وجود تهديدات مباشرة استدعت تحركًا سريعًا، وأن العمليات جاءت في إطار حماية المصالح الأمريكية ومنع تصعيد أكبر. إلا أن عددًا من النواب والشيوخ أعربوا عن عدم اقتناعهم الكامل بالرواية المقدمة، مطالبين بمزيد من الشفافية بشأن طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها الضربات.
مشروع قرار يعيد رسم الخطوط الحمراء
جوهر الأزمة يتمثل في مشروع قرار مطروح أمام مجلس الشيوخ، تقدم به السيناتوران تيم كين وراند بول، يهدف إلى إلزام الإدارة بالحصول على تفويض صريح من الكونغرس قبل تنفيذ أي عمليات عسكرية إضافية ضد إيران.
هذا التحرك يستند إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، والذي يمنح الكونغرس سلطة مراقبة وتقييد استخدام القوة العسكرية في حال عدم وجود إعلان حرب رسمي. ويرى مؤيدو المشروع أن تفعيل هذا القانون بات ضرورة للحفاظ على التوازن الدستوري ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة دون موافقة ممثلي الشعب.
لكن تمرير القرار لن يكون مهمة سهلة. فالديمقراطيون بحاجة إلى دعم عدد من الجمهوريين، في ظل انقسام داخل الحزب حول كيفية التعامل مع إيران. بعض الجمهوريين يميلون إلى دعم الإدارة بدافع الحفاظ على صورة الحزم في السياسة الخارجية، فيما يفضّل آخرون تأكيد دور الكونغرس في اتخاذ قرارات الحرب.
معركة موازية في مجلس النواب
في مجلس النواب، يتحرك رئيس المجلس مايك جونسون لاحتواء أي محاولة لتمرير مشروع مماثل، مؤكدًا أن تقييد صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة في توقيت إقليمي حساس قد يُضعف الموقف الأمريكي أمام خصومه.
ويواجه جونسون ضغوطًا من تيارات داخل حزبه تدعو إلى موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، مقابل أصوات محافظة ترى أن منح تفويض مفتوح لأي إدارة يشكل سابقة خطيرة قد تُستخدم مستقبلاً في سياقات أخرى.
بين الأمن القومي والحسابات الانتخابية
لا يمكن فصل هذا السجال عن السياق السياسي الأوسع. فالسنة الانتخابية تضيف بعدًا إضافيًا للحسابات داخل الحزبين. بعض الديمقراطيين يسعون لإبراز أنفسهم كمدافعين عن الدستور وضوابط السلطة التنفيذية، فيما يحاول الجمهوريون تجنب صورة الانقسام الداخلي أمام الناخبين.
في الوقت نفسه، تدرك الإدارة أن أي تراجع أو تصدع داخلي قد يُفسَّر خارجيًا على أنه ضعف سياسي، ما قد يشجع خصوم الولايات المتحدة على اختبار حدود الردع الأمريكي. ومن هنا، تسعى إلى إظهار جبهة متماسكة، ولو ظاهريًا، أمام الرأي العام الدولي.
أزمة تمويل تزيد المشهد تعقيدًا
التوتر المتعلق بصلاحيات الحرب يتزامن مع خلاف حاد حول تمويل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، في ظل استمرار التجاذبات بشأن سياسات الهجرة. هذا التداخل بين الملفات يضاعف الضغوط على الكونغرس، ويزيد من صعوبة التوصل إلى تسويات سريعة.
عدد من المشرعين يحذرون من أن استمرار الاستقطاب قد ينعكس سلبًا على ثقة الأسواق واستقرار المؤسسات، خصوصًا إذا اقترن بتعثر تشريعي طويل الأمد أو إغلاق حكومي جزئي.
اختبار حاسم للتوازن الدستوري
في العمق، يتجاوز الخلاف مجرد قرار عسكري بعينه، ليمس سؤالًا أوسع حول طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قضايا الأمن القومي. فهل يملك الرئيس صلاحية التحرك العسكري استنادًا إلى تقديره للتهديدات، أم أن الكونغرس يجب أن يكون شريكًا أساسيًا في كل خطوة تتعلق باستخدام القوة؟
السوابق التاريخية تشير إلى أن الرؤساء الأمريكيين غالبًا ما وسعوا من نطاق صلاحياتهم في أوقات الأزمات، بينما سعى الكونغرس إلى استعادة دوره كلما هدأت العواصف. واليوم، يبدو أن هذا الشد والجذب يعود بقوة إلى الواجهة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
سيناريوهات مفتوحة
مع اقتراب موعد التصويت، تبقى كل الاحتمالات قائمة. إذا مرّ مشروع القرار، فسيشكل ذلك رسالة سياسية قوية للإدارة، حتى لو استخدم الرئيس حق النقض لاحقًا. أما إذا فشل، فقد يُفسَّر على أنه انتصار مؤقت للبيت الأبيض، لكنه لن ينهي الجدل حول حدود السلطة التنفيذية.
في كل الأحوال، تعكس هذه المواجهة حجم التوتر الذي تعيشه واشنطن بين ضرورات الردع الخارجي ومتطلبات التوازن الداخلي. فالمعركة لم تعد فقط حول إيران، بل حول تعريف من يملك قرار الحرب في الولايات المتحدة، وكيف يُتخذ في زمن الأزمات المتسارعة.
وبينما تترقب العواصم الإقليمية والدولية نتائج التصويت، يبقى المشهد الأمريكي مفتوحًا على إعادة رسم خطوط العلاقة بين المؤسسات، في اختبار جديد لقوة النظام الدستوري وقدرته على استيعاب الخلافات في لحظات الضغط القصوى.










