صراع الصلاحيات يعيد إشعال فتيل الأزمة السياسية في قلب السلطة التنفيذية الليبية
المنشر الاخباري| 3 مارس 2026، لم تكد تمر أسابيع على خطاب الدبيبة الاحتفالي بذكرى ثورة فبراير، حتى تحولت وعوده بـ”ضخ دماء جديدة” في جسد الحكومة إلى بؤرة توتر حادة تهدد بزعزعة أحد آخر مرتكزات الاستقرار الهش في غرب ليبيا. فبين رئيس حكومة يمضي قدما في تعديلاته، ورئيس مجلس رئاسي يرفع راية الاعتراض القانوني والدستوري، تجد طرابلس نفسها مرة أخرى أمام فصل جديد من مسلسل الخلافات التي أنهكت المشهد السياسي الليبي منذ سنوات.
التعديل يتحول من وعد إلى واقع
في السابع عشر من فبراير الماضي، وقف عبد الحميد الدبيبة أمام الكاميرات محييا ذكرى الثورة، معلنا عزمه إجراء تعديل وزاري وصفه بالشامل، يستهدف ملء الشواغر في الحقائب الوزارية وإحداث نقلة نوعية في أداء الجهاز الحكومي. كان الخطاب طموحا في صياغته: رفع الكفاءة، ومواجهة التحديات الاقتصادية المتراكمة، وتحسين الخدمات اليومية التي يئن منها الليبيون.
لكن الوعود تحولت خلال الأيام الماضية إلى قرارات نافذة. كلف الدبيبة محمد عبد السلام القريو وزيرا للتربية والتعليم، وسالم مصطفى العالم وزيرا للثقافة والتنمية المعرفية، واستقبل الوزيرين رسميا في مكتبه، مستمعا إلى تصوراتهما وخططهما لإدارة الوزارتين في مرحلة قال إنها “حساسة وتستوجب التجديد.”
كانت الرسالة واضحة: التعديل بدأ، والأمر محسوم.
المنفي يطلق صافرة الإنذار
غير أن ما بدا محسوما في مكتب الدبيبة، لم يبد كذلك في أروقة المجلس الرئاسي. ففي رسالة رسمية مؤرخة في حوالي التاسع عشر من فبراير، كشف عنها مؤخرا، وجه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى الدبيبة رفضا قاطعا وصريحا، مستندا إلى ما وصفه بـ”صون الإطار الدستوري والسياسي” الذي تقوم عليه السلطة التنفيذية في ليبيا.
حمل خطاب المنفي جملة من الاعتراضات القانونية ذات الثقل الدستوري؛ إذ أكد أن إقالة وزراء يحظون بثقة الجهات التشريعية المعنية تعد مخالفة صريحة للإطار القانوني الناظم للسلطة، مشيرا إلى أن اتفاق الصخيرات لعام 2015، المضمن في الإعلان الدستوري، يشترط توافقا وطنيا واسعا لأي تعديل في التشكيلة الحكومية، لا قرارا منفردا من رئيس الحكومة.
وذهب المنفي أبعد من ذلك حين أشار إلى أن الحكومة الحالية لا يحق لها إجراء تغييرات جوهرية، وأنها ينبغي أن تقتصر على تصريف الأعمال في الحالات التي تفقدها صلاحيات التصرف الكامل، كحالات سحب الثقة أو الشغور الكبير الذي يبلغ حد الثلث أو النصف. وطالب بإخضاع أي تغيير في الحقائب الحساسة — لا سيما الدفاع والخارجية — لتشاور إلزامي مسبق يشمل المجلس الرئاسي.
انشقاق داخل المجلس الرئاسي ذاته
ما زاد المشهد تعقيدا أن الرفض لم يكن مدويا بالإجماع داخل المجلس الرئاسي نفسه. فقد تباينت مواقف الأعضاء بشكل لافت؛ إذ رأى كل من موسى الكوني وعبد الله اللافي أن التعديل مشروع أو على الأقل لا يرقى إلى مستوى المخالفة الدستورية التي يصورها المنفي، مما يعني أن الخلاف لم يعد بين رئيسي السلطتين التنفيذيتين فحسب، بل امتد ليشق المجلس الرئاسي من الداخل.
هذا الانشقاق الداخلي يضعف الموقف الرسمي للمنفي من حيث الثقل المؤسسي، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن هشاشة التماسك داخل أعلى هيئة سياسية في غرب ليبيا.
دبيبة بين التعزيز والاتهام
يرى المراقبون في هذا التعديل الوزاري أبعادا تتجاوز البعد الإداري البحت. فمن ناحية، يسعى الدبيبة — وهو يعلم أن حكومته تفتقر إلى شرعية دستورية راسخة في ظل غياب الانتخابات وتعثر المسار السياسي — إلى بناء صورة حكومة فاعلة قادرة على إنجاز وتجديد، في مقابل صورة الجمود التي يحاول خصومه إلصاقها به.
ومن ناحية أخرى، يفسر المنفي وبعض المراقبين هذه الخطوة باعتبارها محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض السياسية، وتوسيع نطاق السلطة التنفيذية الفعلية للدبيبة على حساب التوازنات الدقيقة التي أرسيت عبر مسار الحوار الليبي-الليبي.
سياق هش وأفق ملبد
يأتي هذا الخلاف في توقيت بالغ الحساسية. فليبيا لا تزال تعيش انقساما مؤسسيا عميقا بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس من جهة، والمؤسسات الموازية في شرق البلاد المرتبطة بمجلس النواب والمشير خليفة حفتر من جهة أخرى. والمسار الانتخابي الذي كان يفترض أن ينهي هذا الانقسام لا يزال يراوح مكانه، فيما تواصل البعثة الأممية جهودها للتوصل إلى قاعدة دستورية تمهد لانتخابات تعيد رسم المشهد السياسي.
في هذا السياق، يبدو الصراع حول التعديل الوزاري أكبر من مجرد خلاف إجرائي حول صلاحيات. إنه في جوهره نزاع على من يملك السلطة الفعلية، ومن يحق له تشكيل ملامح المرحلة القادمة، في بلد لا يزال ينتظر الإجابة على هذا السؤال منذ أكثر من عقد.
إلى أين؟
الوضع لا يزال يتطور، والمواقف لم تتبلور بعد في شكلها النهائي. لكن المشهد يحمل بذور أزمة دستورية أعمق إذا أصر الدبيبة على المضي في التعديل دون توافق، وإذا قرر المنفي تصعيد موقفه إلى ما هو أبعد من الرسائل الرسمية.
ما هو مؤكد الآن أن مؤسسة السلطة التنفيذية في طرابلس تعيش أحد أحلك فصول انقسامها الداخلي، في لحظة تحتاج فيها ليبيا — ربما أكثر من أي وقت مضى — إلى من يوحد بدلا من أن يفرق.










