في تصعيد خطير يهدد أمن الطاقة العالمي، كشف تقييم عسكري سعودي حديث عن تحول جوهري في خارطة الصراع الإقليمي، مؤكدا أن ما يصل إلى نصف الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت المملكة مؤخرا انطلقت من الأراضي العراقية، وليس من اليمن أو إيران مباشرة كما كان معهودا في السابق.
جبهة العراق.. الحرب بالوكالة تتوسع
ونقلت مصادر مطلعة لـ “وول ستريت جورنال” أن الميليشيات العراقية المدعومة من طهران شنت عشرات الهجمات الانتحارية بالمسيرات خلال الأسابيع الخمسة الماضية، ضمن ما وصف بـ “حرب خفية” تهدف لزعزعة استقرار كبار منتجي النفط. وشملت هذه الهجمات ضربات دقيقة استهدفت مصفاة نفطية في ينبع وحقولا حيوية في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى استهداف مطار الكويت والقنصليات الخليجية في البصرة وكردستان.
يأتي هذا النشاط العسكري المكثف في ظل المواجهة المفتوحة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ أواخر فبراير. ومع شعور النظام الإيراني بـ “تهديد وجودي”، فتح المجال للميليشيات العراقية و”حزب الله” اللبناني للعمل بقدر أقل من القيود، بل والاندماج المباشر ضمن هيكل القيادة العسكرية للحرس الثوري، وهو ما أكدته زيارة الجنرال إسماعيل قاآني الأخيرة لبغداد لتنسيق العمليات.
ترسانة الميليشيات: ربع مليون مقاتل
تطورت هذه الميليشيات، التي نشأت في فوضى ما بعد 2003، لتصبح قوة ضاربة تضم قرابة 250 ألف مقاتل وتمتلك مليارات الدولارات وصواريخ بعيدة المدى. ويرى ريناد منصور، من مركز “تشاتام هاوس”، أن هذه الجماعات تعتبر بقاء النظام في طهران مسألة حياة أو موت، مما يدفعها لتبني استراتيجية “إفساد الوضع” وتعطيل الملاحة والطاقة لإظهار كلفة الحرب ضد إيران.
العراق ساحة للرد الخليجي
في المقابل، بدأت دول الخليج تنظر إلى العراق كساحة محتملة للرد العسكري، لتجنب الصدام المباشر مع طهران الذي قد يشعل المنطقة بالكامل. ويقول مايكل نايتس، زميل معهد واشنطن: “العراق هو المكان الذي يمكن للجميع أن يردوا فيه الضربات؛ إنه ساحة مفتوحة لإثبات القوة”. ويرجح نايتس أن تبدأ السعودية بضربات “رمزية” لتحذير الميليشيات، بينما قد تمنح الكويت والبحرين تسهيلات للقوات الأمريكية لاستهداف منصات الإطلاق.
أزمة السيادة في بغداد
سياسيا، تسببت هذه الهجمات في توتر حاد بين بغداد وجيرانها. وصرح عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد لمجلس التعاون الخليجي، بأن بعض الميليشيات باتت أقوى من الحكومة العراقية نفسها، مشددا على ضرورة فرض الدولة لسيطرتها.
ويتزامن هذا الانفلات الأمني مع انسداد سياسي في العراق عقب انتخابات نوفمبر، حيث أضعفت الخلافات حول تشكيل الحكومة قدرة الدولة على كبح جماح الفصائل المسلحة، خاصة مع محاولات قوى مقربة من طهران، مثل نوري المالكي، للسيطرة على المشهد السياسي، وهو ما قوبل بفيتو أمريكي سابق. يبقى العراق اليوم “صندوق بريد” داميا، وسط مخاوف من أن تتحول هذه المسيرات إلى شرارة لمواجهة شاملة لا يمكن احتواؤها.










