انقسام داخل القاعدة الجمهورية وارتفاع غير مسبوق لدعم العزل في الولايات المتحدة وسط تداعيات الحرب والتضخم
واشنطن – المنشر الإخبارى
في مؤشر لافت على تصاعد الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، كشف استطلاع رأي حديث عن تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث أبدى 21% من الناخبين الذين صوتوا له في انتخابات 2024 تأييدهم لعزله من منصبه، في تطور يعكس تصدعًا غير مسبوق داخل قاعدته السياسية.
الاستطلاع، الذي أجرته مؤسستا Strength in Numbers وVerasight خلال الفترة من 10 إلى 14 أبريل 2026، شمل عينة من 1514 بالغًا، مع مراعاة توزيع دقيق للبيانات وفق معايير العمر والعرق والدخل والتعليم والانتماء السياسي، ما يمنحه قدرًا كبيرًا من المصداقية في قراءة اتجاهات الرأي العام.
أغلبية تؤيد العزل
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 55% من المشاركين يؤيدون عزل ترامب، مقابل 37% يعارضون، بينما لم يحسم 8% موقفهم. وتُعد هذه النسبة مرتفعة بشكل غير معتاد مقارنة باستطلاعات العزل في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.
الأكثر إثارة أن 21% من الجمهوريين أنفسهم، إلى جانب النسبة ذاتها تقريبًا من ناخبي ترامب، أعلنوا دعمهم لعزله، ما يشير إلى تآكل الثقة داخل المعسكر المحافظ، الذي شكّل العمود الفقري لصعوده السياسي.
مقارنة تاريخية مع نيكسون
ويرى محللون أن هذه الأرقام تضع ترامب في موقف مشابه للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون خلال ذروة فضيحة ووترغيت عام 1974، عندما تصاعدت الضغوط السياسية والشعبية التي انتهت باستقالته.
ويعزز هذا التشبيه خطورة المرحلة الحالية، خاصة مع تزايد الدعوات داخل الكونغرس لاتخاذ إجراءات دستورية بحق ترامب.
دعم كاسح من الديمقراطيين
في المقابل، أظهر الاستطلاع دعمًا شبه كامل لعزل ترامب بين الديمقراطيين بنسبة 88%، كما أيد 90% من ناخبي نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس هذه الخطوة.
أما الناخبون المستقلون، فقد أظهروا انقسامًا واضحًا، حيث دعم 50% منهم العزل، مقابل 28% عارضوه، وهو ما يعكس حالة من التردد في الشارع الأمريكي خارج الاستقطاب الحزبي التقليدي.
حرب إيران.. العامل الحاسم
يربط مراقبون هذا التحول في المزاج الشعبي بتداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والتي بدأت في فبراير الماضي، وأسفرت عن تصعيد عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط.
وقد انعكست هذه الحرب بشكل مباشر على الداخل الأمريكي، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
هذا الارتفاع أدى بدوره إلى زيادة معدلات التضخم، ما ألقى بظلاله على معيشة المواطن الأمريكي، وأثار موجة من الانتقادات لإدارة ترامب.
وعود انتخابية مكسورة
خلال حملته الانتخابية، تعهد ترامب بعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب جديدة، وهو ما اعتبره العديد من أنصاره أحد أسباب دعمه.
لكن اندلاع الحرب مع إيران شكّل، في نظر جزء من قاعدته، خرقًا واضحًا لهذا التعهد، ما أدى إلى تراجع الثقة وارتفاع الأصوات المطالبة بمحاسبته.
أزمات متراكمة
لا تقتصر أسباب التراجع على الحرب فقط، إذ تواجه إدارة ترامب انتقادات في عدة ملفات داخلية، من بينها سياسات الهجرة المتشددة، وإدارة الاقتصاد، إضافة إلى الجدل المثار حول علاقاته السابقة مع رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.
وتُظهر هذه الملفات مجتمعة صورة إدارة تواجه تحديات متعددة، تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
دعوات للعزل والتعديل 25
في ظل هذه التطورات، صعّد عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس من لهجتهم، مطالبين بعزل ترامب أو حتى تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور، الذي يسمح بإبعاده عن السلطة في حال عدم أهليته.
ورغم أن هذه الدعوات لا تزال تواجه معارضة قوية من الجمهوريين، فإن تزايد الدعم الشعبي لها قد يغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.
أزمة داخل القاعدة الجمهورية
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن “واحدًا من كل خمسة” من ناخبي ترامب باتوا يؤيدون عزله، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في المزاج السياسي داخل الحزب الجمهوري.
هذا الانقسام قد يؤثر على تماسك الحزب في الانتخابات المقبلة، ويضع قيادته أمام تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على وحدته.
تداعيات محتملة على المشهد السياسي
مع استمرار الضغوط الداخلية والخارجية، يبدو أن إدارة ترامب تواجه واحدة من أصعب مراحلها، حيث تتداخل تداعيات السياسة الخارجية مع الأوضاع الاقتصادية الداخلية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تصعيد سياسي داخل الولايات المتحدة، سواء عبر إجراءات دستورية أو من خلال صناديق الاقتراع في الاستحقاقات القادمة.
مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل ترامب السياسي غير محسوم، مع تزايد الضغوط الشعبية والسياسية، واستمرار تداعيات الحرب على إيران.
وبينما يراهن البيت الأبيض على تحقيق اختراق دبلوماسي أو تحسن اقتصادي لاحتواء الأزمة، تشير الأرقام إلى أن المزاج العام في الولايات المتحدة يشهد تحولًا تدريجيًا قد يعيد رسم خريطة المشهد السياسي في المرحلة المقبلة.










