بروكسل – المنشر الإخباري
تتزايد مخاوف القادة الأوروبيين من أن التوترات الناتجة عن المواجهة بين الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب وإيران، والتي أعقبها رد إيراني، قد تتحول من مجرد صدمة اقتصادية إلى أزمة سياسية أوسع تهدد استقرار الاتحاد الأوروبي.
وبحسب تقرير نشره موقع “بوليتيكو”، فإن حكومات دول الاتحاد تستعد لتداعيات لا تملك أدوات كافية لاحتوائها، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف التيار السياسي الوسطي الهش داخل أوروبا.
تداعيات اقتصادية تتسع
وأشار التقرير إلى أن تأثيرات الأزمة بدأت بالفعل في الانتشار داخل قطاعات حيوية، حيث أدى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة أسعار الغذاء والنقل والإسكان، ما يضع عبئًا متزايدًا على الأسر، خاصة من ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
وفي هذا السياق، قال شيموس بولاند، رئيس اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية، إن هذه الضغوط الاقتصادية تخلق حالة من فقدان الثقة، ليس فقط تجاه الحكومات الوطنية، بل أيضًا تجاه قدرة مؤسسات الاتحاد الأوروبي على حماية مواطنيه من الصدمات الخارجية، ما قد يعزز الاتجاهات الداعية إلى سياسات أكثر انعزالية وحمائية.
مخاطر انتخابية وتصاعد الشعبوية
ومع تزايد حالة الاستياء الشعبي، تواجه الحكومات الحالية في عدة دول أوروبية تحديات متصاعدة، حيث يُخشى أن تؤدي الانتخابات المقبلة إلى تغييرات في موازين القوى السياسية.
وتُعد فرنسا من أبرز ساحات الاختبار، نظرًا لتأثيرها الكبير على التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي، في حين شهدت دول أخرى تطورات مثيرة للقلق، مثل فوز رومن راديف في بلغاريا، وأزمة الائتلاف الحكومي في رومانيا التي تهدد موقع رئيس الوزراء إيلي بولوجان.
أما في ألمانيا، فقد بدأ حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف توسيع قاعدته الشعبية، مستهدفًا تحقيق مكاسب في الانتخابات الإقليمية المقبلة.
أزمة الطاقة في قلب المشهد
وتتمحور الأزمة الحالية حول استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، بعد فشل جولة المفاوضات التي عُقدت في إسلام آباد في تحقيق تقدم، نتيجة ما وصفته مصادر بـ”المطالب الأمريكية المتشددة” واستمرار الحصار المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية.
وردّت إيران على ذلك بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، ما دفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، وأدى إلى تفاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي، خاصة في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.
وفي هذا الإطار، حذّر فالديس دومبروفسكيس من أن آثار الأزمة بدأت تنتشر في مختلف قطاعات الاقتصاد، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع سيؤدي إلى تفاقم التحديات الاقتصادية.
خيارات محدودة أمام صناع القرار
ومن المقرر أن يبحث وزراء المالية في الاتحاد الأوروبي سبل التخفيف من حدة الأزمة، مع محاولة تجنب زيادة أعباء الديون، خاصة أن العديد من الدول لا تزال تعاني من آثار الإنفاق المرتفع خلال جائحة كورونا وأزمة الطاقة السابقة.
وأكد دومبروفسكيس أن المفوضية الأوروبية توصي باتخاذ إجراءات “مؤقتة وموجهة”، بدلًا من التدخلات الواسعة، نظرًا لضيق الحيز المالي المتاح للحكومات.
شبح الركود التضخمي
وتثير التطورات الحالية مخاوف متزايدة من دخول أوروبا في مرحلة “ركود تضخمي”، وهي حالة تجمع بين تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم في الوقت نفسه.
وأوضح دومبروفسكيس أن التوقعات الاقتصادية للعام الجاري قد تشهد مراجعة نحو الأسوأ، مع ترجيحات بخفض تقديرات النمو خلال الأشهر المقبلة.
وفي هذا السياق، قامت كل من ألمانيا وإيطاليا، اللتين تمثلان أكثر من ثلث اقتصاد الاتحاد الأوروبي، بخفض توقعاتهما الاقتصادية مؤخرًا، في مؤشر على تصاعد القلق داخل أكبر اقتصادات القارة.
تحديات هيكلية وانقسامات داخلية
وتأتي هذه الأزمة في ظل تحديات هيكلية أعمق تواجه أوروبا، حيث كان ماريو دراجي قد حذر في وقت سابق من أن القارة قد تواجه “تراجعًا بطيئًا” ما لم تُنفذ إصلاحات جذرية لتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا.
كما أشار إيمانويل ماكرون إلى أن أوروبا تمر بلحظة حاسمة، داعيًا إلى ضرورة الاستيقاظ لمواجهة الضغوط الجيوسياسية المتزايدة.
وفي الوقت نفسه، تتعمق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن السياسات المالية، حيث تدعو بعض الدول إلى تقليص الإنفاق وتسريع خفض الديون، بينما تطالب دول أخرى بمزيد من الدعم لمواجهة التحديات الاقتصادية.
بهذا، تجد أوروبا نفسها أمام أزمة مركبة تجمع بين ضغوط اقتصادية متصاعدة وتحديات سياسية متزايدة، في وقت تتراجع فيه قدرتها على المناورة، ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات الصراع الدائر بين القوى الكبرى.









