يواجه التحالف البراغماتي بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (فصيل عبد العزيز الحلو) اختبارا مصيريا لبقائه، في ظل تصاعد حدة التوترات الميدانية وتبادل الاتهامات بالخيانة وسوء التنسيق.
تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية الذي ولد من رحم “المصلحة” لمواجهة الجيش السوداني، بات اليوم يترنح تحت وطأة الهزائم العسكرية الميدانية والمخاوف المجتمعية المتجذرة في مناطق سيطرته.
زلزال “كادوقلي”: شرخ في جدار الثقة
يرى مراقبون أن نقطة التحول الرئيسية بدأت في فبراير الماضي، عندما تمكنت القوات المسلحة السودانية من تحقيق اختراق عسكري استراتيجي بفك الحصار عن مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان.
الحصار الذي استمر لأكثر من عامين بتنسيق بين الدعم السريع ومقاتلي “الحلو” انهار بشكل مفاجئ، مما فتح الباب أمام سيل من الاتهامات المتبادلة بين الطرفين.
ونقلت تقارير ميدانية أن قيادات في قوات الدعم السريع ألقت باللوم على مقاتلي الحركة الشعبية في الانهيار السريع لخطوط الإمداد، بينما اتهمت دوائر مقربة من “الحلو” قوات الدعم السريع بالانسحاب التكتيكي دون تنسيق مسبق، مما ترك قواتهم مكشوفة أمام طيران الجيش وزحفه البري.
والتلاسن بين الدعم السرع والحركة الشعبية لم يقتصر على الغرف المغلقة، بل تسربت أصداؤه لتحدث حالة من التوجس بين القواعد العسكرية للطرفين.
جبال النوبة: ذكريات الانتهاكات تلاحق التحالف
في عمق هذا الصراع، يعيش سكان جبال النوبة حالة من الرعب المضاعف؛ فمن جهة، يخشون تحول مناطقهم إلى ساحة تصفية حسابات بين حلفاء الأمس، ومن جهة أخرى، تلاحقهم ذكريات أليمة من الانتهاكات. فرغم الغطاء السياسي لـ “تحالف السودان التأسيسي”، إلا أن الطبيعة الأيديولوجية المتناقضة للطرفين تزيد من هشاشة الوضع؛ فالحركة الشعبية تتبنى مشروعا “علمانيا يساريا”، بينما ترتبط قوات الدعم السريع في الأذهان بميليشيات “الجنجويد” السابقة التي تورطت في صراعات إثنية مريرة.
ويرى محللون أن المخاوف الشعبية في جبال النوبة مبررة، حيث تزايدت التقارير حول عمليات نهب وتجنيد قسري في القرى المحيطة بمناطق العمليات، مما عمق الهوة بين التحالف العسكري والحاضنة الشعبية المحلية التي ترى في هذا التحالف “زواج إكراه” قد ينتهي بكارثة إنسانية جديدة.
اختبار البقاء: صراع الموارد والهوية
لا تكمن معضلة التحالف في التكتيك العسكري فحسب، بل في التنافس الخفي على الموارد والأراضي، فكلا الطرفين يسعى لفرض نفوذه على مناطق التعدين والزراعة في جنوب كردفان لتأمين استمرارية العمليات العسكرية.
ومع استعادة الجيش السوداني لزمام المبادرة في مناطق حيوية، يجد التحالف نفسه أمام خيارين: إما إعادة هيكلة التنسيق العسكري تحت قيادة موحدة (وهو أمر مستبعد نظرا لاختلاف العقيدة القتالية)، أو الانهيار التدريجي وعودة كل طرف للدفاع عن معاقله التقليدية بشكل منفرد.
إن “تحالف المصلحة” الذي بدا قويا في بداياته عام 2025، يثبت اليوم أن غياب الرؤية السياسية الموحدة والاكتفاء بـ “العدو المشترك” كدافع وحيد، لا يصمد طويلا أمام ضربات الجيش المنظمة وتصاعد الرفض الشعبي في مناطق الجبهات المتداخلة.










