تفاهمات سياسية معقدة تسبق تشكيل الحكومة العراقية وسط ضغوط داخلية وخارجية
بغداد – المنشر الإخبارى
تقترب الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي من لحظة حاسمة داخل البرلمان، في وقت تتكثف فيه المشاورات السياسية بين مختلف القوى الشيعية والكردية والسنية، وسط توازنات دقيقة تجعل من التصويت المرتقب اختبارًا مبكرًا لشكل الحكومة قبل إعلانها رسميًا.
ورغم أن الزيدي تمكن من التقدم بسرعة في مسار التكليف بعد توافقات داخل البيت الشيعي وانسحاب بعض الأسماء الثقيلة من المنافسة، فإن مرحلة ما قبل التصويت كشفت حجم التعقيدات المرتبطة بتشكيل الحكومة، حيث لم تعد المسألة مجرد توزيع حقائب وزارية، بل شبكة واسعة من التفاهمات السياسية والاقتصادية والأمنية.
أربيل وشروط العودة إلى بغداد
أحد أبرز الملفات التي فرضت نفسها بقوة في مسار التشكيل هو ملف العلاقة بين بغداد وأربيل، حيث دخلت قضايا الرواتب والموازنة والنفط في صلب المفاوضات الجارية.
وتطالب القيادات الكردية بضمانات واضحة تتعلق بصرف رواتب موظفي الإقليم بشكل منتظم، إلى جانب التوصل إلى اتفاق مستقر بشأن تصدير النفط وتقاسم العائدات، إضافة إلى إقرار قانون النفط والغاز الذي ما يزال يمثل نقطة خلاف مزمنة بين الطرفين.
كما تطرح القوى الكردية ملفات أخرى تتعلق بتفعيل المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وضمان حصة عادلة في الموازنة الاتحادية، وهو ما يجعل عودتها إلى الحكومة مشروطة بحزمة اتفاقات تتجاوز توزيع المناصب.
المكون السني بين الإعمار والتمثيل
في المقابل، حققت المفاوضات مع القوى السنية تقدمًا ملحوظًا، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية، إلا أن ملفات أكثر عمقًا ما تزال مفتوحة، أبرزها إعادة إعمار المدن المتضررة، وعودة النازحين، وتعزيز الاستقرار الأمني في المناطق المحررة.
وتؤكد القوى السنية أن أولوياتها لا تقتصر على المشاركة السياسية، بل تشمل مطالب خدمية وتنموية مرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة في مناطقها، بعد سنوات من الصراع مع تنظيم داعش وما تبعه من دمار واسع.
لكن هذه المطالب، رغم مشروعيتها، أصبحت جزءًا من معادلة التفاوض السياسي، ما يجعلها عرضة لإعادة التوظيف داخل عملية توزيع النفوذ داخل الحكومة المقبلة.
ضغط أمريكي وملف الفصائل المسلحة
يبرز الضغط الأمريكي كعامل مؤثر في تشكيل الحكومة العراقية، خصوصًا فيما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، حيث تسعى واشنطن إلى فرض شروط تتعلق بإبعاد الشخصيات المرتبطة بالسلاح أو الخاضعة لعقوبات دولية عن مواقع القرار التنفيذي.
وتتعامل الولايات المتحدة مع الحكومة المقبلة باعتبارها اختبارًا لمدى قدرة بغداد على ضبط العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة غير النظامية، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى مسار التشكيل.
في المقابل، تحاول الأطراف العراقية الحفاظ على توازن دقيق بين الاستجابة للضغوط الدولية وعدم فتح مواجهة داخلية مع قوى سياسية تمتلك نفوذًا داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.
ملامح برنامج حكومي تحت التفاوض
تشير مصادر سياسية إلى أن الزيدي يستعد لتقديم البرنامج الحكومي مع جزء كبير من التشكيلة الوزارية إلى البرلمان خلال فترة قريبة، تمهيدًا لعقد جلسة تصويت مرتقبة إذا استمر مستوى التوافق الحالي بين الكتل السياسية.
وتفيد التقديرات بأن أكثر من نصف الحقائب الوزارية تم حسمها، بينما لا تزال الوزارات السيادية والخدمية محل تفاوض مستمر حتى اللحظات الأخيرة، ما يعكس حساسية المرحلة الحالية.
هذا الوضع يجعل الحكومة المقبلة أقرب إلى تسوية سياسية شاملة، أكثر من كونها مشروعًا تنفيذيًا متكاملًا، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أدائها داخل السلطة التنفيذية.
البرلمان يدخل على خط الحسم
من المنتظر أن يلعب البرلمان دورًا حاسمًا في المرحلة المقبلة، حيث ستُعرض التشكيلة الوزارية والبرنامج الحكومي للتصويت بعد انتهاء اللجان المختصة من مراجعتها.
ويأتي ذلك في ظل ضغوط سياسية متزايدة على الكتل النيابية للحفاظ على مستوى التوافق الحالي، خصوصًا مع وجود مخاوف من انهيار بعض التفاهمات في اللحظات الأخيرة قبل جلسة التصويت.
حكومة مشروطة منذ لحظة الميلاد
في حال نالت حكومة الزيدي ثقة البرلمان، فإنها ستدخل مرحلة حكم معقدة منذ بدايتها، لأنها ستكون محمّلة بتفاهمات متشابكة تشمل ملفات كردية حساسة، واستحقاقات سنية مرتبطة بالخدمات والإعمار، وضغوطًا دولية تتعلق بملف الفصائل المسلحة.
هذا التشابك يجعل الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على التوازن السياسي الداخلي من جهة، وتنفيذ برنامج حكومي قابل للتطبيق من جهة أخرى، في بيئة إقليمية ودولية متقلبة.
اختبار مبكر لمعادلة الحكم في العراق
يُنظر إلى التصويت المرتقب على حكومة الزيدي باعتباره اختبارًا مبكرًا لطبيعة النظام السياسي في العراق، وقدرته على إنتاج حكومات مستقرة في ظل توازنات شديدة التعقيد بين القوى المحلية والدولية.
وبين أربيل التي تطالب بضمانات دستورية ومالية، وواشنطن التي تضغط في ملف الفصائل، والقوى السنية التي تركز على الإعمار والخدمات، يجد الزيدي نفسه أمام معادلة سياسية دقيقة تحتاج إلى إدارة حذرة لتفادي أي اهتزاز مبكر في عمر الحكومة.










