تقرير سري لـCIA يكشف قدرة طهران على الاستمرار رغم القصف والحصار البحري وتنامي الاعتماد على الممرات البديلة
واشنطن – المنشر الإخبارى
يكشف تقييم استخباراتي أمريكي سري، أعدته وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ورفع إلى الإدارة الأمريكية خلال الأيام الأخيرة، عن صورة أكثر تعقيدًا للوضع الإيراني مما تعكسه التصريحات العلنية في واشنطن أو تقارير ساحة العمليات العسكرية في الخليج.
التقرير، الذي نقلت تفاصيله وسائل إعلام أمريكية من بينها “واشنطن بوست”، يؤكد أن إيران لا تزال تمتلك قدرة صلبة على الصمود أمام الحصار البحري المفروض عليها منذ منتصف أبريل، وأنها قادرة على الاستمرار لفترة تتراوح بين 3 إلى 4 أشهر دون انهيار اقتصادي شامل، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتصاعدة.
الأهم من ذلك، أن التقييم يقدّر أن إيران احتفظت بما يقارب 70% من مخزونها الاستراتيجي من الصواريخ الباليستية، إلى جانب استمرار تشغيل نسبة كبيرة من منصات الإطلاق المتحركة، ما يعني أن قدرتها على الردع لم تتآكل بالشكل الذي كان متوقعًا في بعض دوائر القرار الغربي.
صمود تحت الضغط: اقتصاد محاصر لكنه لم ينكسر
وفقًا للتقرير، فإن طهران لم تتعامل مع الحصار البحري كصدمة مفاجئة، بل كجزء من سيناريو استراتيجي طويل الأمد تم التحضير له عبر سنوات من “اقتصاد المقاومة”.
وتشير الوثيقة إلى أن إيران لجأت إلى أدوات اقتصادية بديلة لتقليل أثر الحصار، من بينها تخزين النفط الخام على متن ناقلات عائمة غير نشطة، وإعادة توزيع الإنتاج النفطي بطريقة تقلل المخاطر على الحقول الرئيسية، خاصة في الجنوب.
كما رصد التقرير توسعًا في استخدام طرق برية بديلة لتصدير النفط والسلع، عبر شبكات تمتد إلى آسيا الوسطى، وهو ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في بنية التجارة الإيرانية من الاعتماد البحري إلى شبكات لوجستية برية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للرصد.
وبحسب التقييم، فإن هذا النمط من التكيف الاقتصادي يمنح طهران قدرة على “إطالة زمن الصمود”، حتى وإن كان ذلك على حساب النمو أو الاستقرار المالي طويل المدى.
القوة الصاروخية: الانخفاض ليس كما يُعلن
أحد أبرز عناصر التقرير يتمثل في تقييم القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا منظومة الصواريخ الباليستية التي كانت محورًا رئيسيًا في التصعيد الأخير في الخليج.
التقرير يشير إلى أن الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت منشآت عسكرية خلال الأسابيع الماضية لم تؤدِ إلى تدمير جوهري في القدرة الصاروخية الإيرانية، بل إلى إعادة توزيعها وتحصينها داخل منشآت تحت الأرض.
ويقدّر محللو CIA أن نحو 70% من المخزون الصاروخي لا يزال في حالة تشغيلية، إلى جانب احتفاظ إيران بقدرة إنتاجية محلية تسمح بإعادة الإمداد التدريجي، ولو بوتيرة أبطأ.
كما يشير التقرير إلى أن إيران طورت خلال السنوات الأخيرة بنية “لامركزية” لإدارة الصواريخ، تقوم على توزيع منصات الإطلاق بدل تركيزها في قواعد تقليدية، ما يجعل استهدافها أكثر صعوبة حتى في ظل تفوق استخباراتي وتقني أمريكي.
البحر تحت الضغط: الحصار لا يغلق كل الممرات
رغم إعلان واشنطن فرض حصار بحري صارم على إيران، فإن التقرير يلفت إلى أن التطبيق العملي لهذا الحصار يواجه تحديات ميدانية كبيرة، خصوصًا في منطقة تمتاز بتداخل جغرافي معقد مثل الخليج ومضيق هرمز.
ويشير التقييم إلى أن بعض السفن الإيرانية أو المرتبطة بها نجحت في استخدام مسارات غير مباشرة، سواء عبر تغيير مسارات الملاحة أو الاستفادة من الثغرات القانونية في المياه الإقليمية لبعض الدول المجاورة.
كما يوضح أن عمليات نقل النفط عبر الشاحنات وخطوط السكك الحديدية عبر آسيا الوسطى باتت تلعب دورًا متزايدًا في تقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية، رغم محدودية هذه القنوات مقارنة بالطاقة التصديرية الكاملة لإيران.
واشنطن بين الضغط العسكري وحدود التصعيد
في المقابل، يعكس التقرير حالة ارتباك داخل الإدارة الأمريكية بين هدفين متناقضين: زيادة الضغط على إيران اقتصاديًا وعسكريًا، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة في الخليج.
وبحسب الوثيقة، فإن واشنطن نجحت في إلحاق أضرار جزئية بالقدرات البحرية الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته اضطرت إلى سحب أو إعادة نشر بعض قواتها البحرية من مناطق أخرى، ما خلق ضغطًا على التوازن الاستراتيجي الأمريكي العالمي.
كما يشير التقرير إلى أن جزءًا من الذخائر الدفاعية الأمريكية تم استهلاكه في المنطقة بشكل أسرع من المتوقع، وهو ما أثار نقاشات داخل البنتاغون حول “مخاطر الاستنزاف الاستراتيجي”.
الاقتصاد كساحة حرب موازية
التقرير يلفت إلى أن الصراع مع إيران لم يعد عسكريًا فقط، بل تحول إلى حرب اقتصادية متعددة الطبقات، تشمل الطاقة، والملاحة، والعملات، وسلاسل الإمداد.
وتشير التقديرات إلى أن إيران تخسر مئات الملايين من الدولارات يوميًا نتيجة القيود المفروضة على صادراتها النفطية، إلا أن النظام الاقتصادي الإيراني استطاع امتصاص جزء من هذه الصدمة عبر تقليص الاستهلاك الداخلي وإعادة توجيه الموارد.
في المقابل، تواجه الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار النفط نتيجة التوتر المستمر في مضيق هرمز، ما يضيف بعدًا عالميًا للأزمة يتجاوز حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران.
البعد العسكري: حرب منخفضة الحدة طويلة المدى
يرى محللون عسكريون أن ما يجري لا يمكن وصفه بحرب تقليدية، بل هو نموذج لحرب منخفضة الحدة طويلة الأمد، تعتمد على الاستنزاف المتبادل دون حسم سريع.
إيران، وفق هذا التقييم، تراهن على قدرتها على الصمود الداخلي، وعلى استنزاف الإرادة السياسية لدى خصومها، أكثر من تحقيق نصر عسكري مباشر.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على الضغط الاقتصادي والعسكري غير المباشر، مع محاولة الحفاظ على هامش تجنب الحرب الشاملة.
مضيق هرمز: نقطة الاختبار الكبرى
يظل مضيق هرمز هو محور التوازن الاستراتيجي في المنطقة، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
التقرير يشير إلى أن أي تصعيد واسع في هذا الممر البحري قد يؤدي إلى اضطراب عالمي في أسواق الطاقة، وهو ما يضع جميع الأطراف أمام قيود صارمة تمنع الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
التقييم الاستخباراتي لا يقدم صورة انتصار لطرف على حساب آخر، بل يرسم مشهدًا أكثر تعقيدًا: دولة محاصرة لكنها لم تنكسر، وقوة عظمى تضغط لكنها لا تستطيع الحسم السريع.
في هذا السياق، تتحول الأزمة من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حالة “توازن هش”، حيث يمتلك كل طرف أدوات إزعاج استراتيجي، دون قدرة على فرض نهاية واضحة للصراع.










