بكين – المنشر الاخباري، 14 مايو 2026، في أجواء مشحونة بالترقب وبمراسم استقبال وصفت بأنها “الأضخم”، انطلقت في العاصمة الصينية بكين قمة “مجموعة الاثنين” (G2) بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب.
وبينما هيمنت ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي على أجواء الود والبروتوكول، برزت قضية تايوان كـ”لغم” إستراتيجي فجره الزعيم الصيني في مستهل المحادثات، محذراً من أن استقلال الجزيرة والسلام الإقليمي “خطان لا يلتقيان”.
تايوان: القضية المحورية والمسار الخطير
في قاعة الشعب الكبرى، وخلال جلسة مباحثات استمرت لأكثر من ساعتين، وضع الرئيس شي جين بينغ النقاط على الحروف فيما يخص السيادة الصينية.
ونقل التلفزيون المركزي الصيني عن شي قوله بلهجة حازمة: “إن استقلال تايوان والسلام في مضيق تايوان أمران لا يجتمعان”. وشدد على أن مصير الجزيرة يظل القضية المحورية والأكثر حساسية في العلاقات الثنائية، محذراً واشنطن من أن أي “نهج خاطئ” أو سوء تعامل مع هذا الملف قد يدفع بالعلاقات بين أكبر قوتين في العالم إلى “وضع بالغ الخطورة” وصراع مباشر لا يحمد عقباه.
وتعتبر بكين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها بموجب مبدأ “الصين الواحدة”، وهو الشرط الذي تفرضه على كافة شركائها الدوليين.
ومع ذلك، تظل صفقات بيع الأسلحة الأمريكية لتايبيه، وآخرها صفقة بقيمة 14 مليار دولار تنتظر توقيع ترامب، حجر العثرة الأكبر الذي يهدد استقرار المضيق.
ترامب في بكين: قمة “المعاملة بالمثل” وسط ضغوط داخلية
وصل الرئيس ترامب إلى بكين في زيارته الأولى منذ ولايته السابقة عام 2017، وهو يواجه تحديات داخلية معقدة، فمعدلات تأييده تشهد تراجعاً بسبب الانخراط الأمريكي في حروب الشرق الأوسط، وضغوط التضخم الناتجة عن الصراع مع إيران. وبالرغم من هذه الضغوط، أو ربما بسببها، وصف ترامب الاجتماع بأنه قد يكون “أكبر قمة على الإطلاق”، مشيداً بشي جين بينغ ووصفه بـ”الزعيم العظيم”.
ودخل ترامب المفاوضات مدعوماً بنخبة من رواد الأعمال الأمريكيين، يتقدمهم إيلون ماسك (تسلا وسبيس إكس)، وجينسن هوانج (إنفيديا)، وتيم كوك (آبل). وصرح ترامب بأن هدفه الأساسي هو إقامة علاقات تجارية تقوم على “المعاملة بالمثل”، ومطالبة بكين بـ”فتح” أسواقها بشكل أوسع أمام الصناعات الأمريكية، لخفض العجز التجاري الذي طالما انتقده.
تجنب “فخ ثوسيديدس” وتعاون الضرورة
من جانبه، دعا الرئيس شي إلى ضرورة تجاوز الخلافات، مؤكداً أن المصالح المشتركة تفوق أي صراع. وحذر من الوقوع في “فخ ثوسيديدس” – وهو المصطلح الذي يشير إلى حتمية الحرب بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة – مشدداً على أن “التعاون يفيد الطرفين، والمواجهة تضرهما معاً”.
وفيما يخص التجارة، أشار شي إلى أن المحادثات التمهيدية في كوريا الجنوبية حققت “نتائج إيجابية ومتوازنة”، مما يمهد الطريق للحفاظ على الهدنة التجارية المتفق عليها في أكتوبر الماضي. وبينما تسعى واشنطن لبيع طائرات بوينج ومنتجات طاقة، تضغط بكين لتخفيف القيود الأمريكية على صادرات معدات أشباه الموصلات والرقائق المتطورة.
دبلوماسية الأزمات: الشرق الأوسط وأوكرانيا
لم تكن القمة اقتصادية فحسب، بل تطرقت لملفات جيوسياسية مشتعلة. وحث ترامب نظيره الصيني على استخدام نفوذه لإقناع إيران بالتوصل إلى اتفاق ينهي الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط.
وفيما يشكك المحللون في رغبة بكين بالضغط على طهران التي تمثل ثقلاً موازناً للنفوذ الأمريكي، أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أن مصلحة الصين تكمن في استقرار الملاحة في الخليج لضمان تدفق تجارتها. كما شملت المباحثات سبل إيجاد مخارج للأزمة الأوكرانية، في ظل محاولات واشنطن تحييد الدعم الصيني لروسيا.
تغير موازين القوى
يرى المحللون، ومنهم علي واين من مجموعة الأزمات الدولية، أن “آليات القوة تغيرت” منذ زيارة ترامب الماضية. فبينما كانت الصين في 2017 تحاول إثبات مكانتها، تأتي القمة الحالية في وقت تعترف فيه الولايات المتحدة بهذه المكانة كواقع جيوسياسي مفروض.
ترامب، الذي يواجه قيوداً قانونية في الداخل على فرض الرسوم الجمركية، يجد نفسه مضطراً للتفاوض من أجل “هدنة مستدامة” تضمن استقرار الأسواق العالمية.
جدول أعمال القمة
يتضمن البرنامج الرسمي للزيارة جولة للزعيمين في “معبد السماء” التاريخي، ومأدبة رسمية كبرى، تليها جلسات نقاشية غداً الجمعة حول قضايا الذكاء الاصطناعي والاستثمار المتبادل. ومن المتوقع أن يختتم القادة قمتهم ببيان مشترك يحدد معالم “النظام العالمي الجديد” الذي تحاول القوتان العظمتان صياغته بعيداً عن حافة الهاوية.










