تصعيد عسكري يعرقل مسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وسط انقسام داخلي وتعقيدات إقليمية تعيد خلط الأوراق جنوب لبنان
بيروت – المنشر الإخبارى
تشهد الساحة اللبنانية حالة من التعقيد السياسي والعسكري المتصاعد، في ظل عودة العمليات الميدانية لتفرض نفسها بقوة على مسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، ما أدى إلى تجميد أي تقدم محتمل في مسار التسوية، وإعادة البلاد إلى مربع الضبابية وعدم اليقين، رغم الآمال التي عُقدت مؤخراً على إمكانية تحقيق انفراجة في الأزمة.
فبعد يوم واحد فقط من دخول هدنة استمرت 45 يوماً حيز التنفيذ، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني، الأمر الذي أفرغ نتائج الجولة الثالثة من المفاوضات من مضمونها العملي، وكشف في الوقت ذاته حجم التعقيدات التي تواجه الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها على الأرض، خاصة في المناطق الجنوبية الحساسة.
ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس فجوة عميقة بين المسار السياسي والواقع الميداني، حيث تبدو الجهود التفاوضية عاجزة عن فرض أي استقرار فعلي، في ظل استمرار العمليات العسكرية المتبادلة، وغياب آليات واضحة لتثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم.
وتشير التحليلات إلى أن جنوب لبنان، وتحديداً منطقة جنوب الليطاني، ما زالت خارج السيطرة الكاملة للدولة اللبنانية، باستثناء بعض النقاط الأمنية المحدودة التابعة لقوى الأمن الداخلي وأجهزة رسمية في مدن مثل النبطية وصور، بينما تتحول بقية المناطق إلى ساحة مفتوحة للتوترات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء أن عودة الدولة اللبنانية إلى بسط سيطرتها الكاملة على الجنوب تبقى مرهونة بنتائج المفاوضات الجارية، وما ستفرزه من ترتيبات أمنية وعسكرية معقدة، تتعلق بإعادة تموضع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي محتمل إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً، وفق جدول زمني قد يمتد من عام إلى عامين.
ويشير محللون إلى أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالانسحاب أو الهدنة، بل يرتبط بشكل أساسي بملف سلاح حزب الله ودوره في الجنوب، حيث تُطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تنظيم للوجود العسكري الرسمي أو استمرار الوضع الحالي القائم على تعدد مراكز القوة.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن الدولة اللبنانية أعلنت من حيث المبدأ تبنيها لمطلب تثبيت سيادتها على الجنوب، إلا أن التطبيق العملي لهذا التوجه يواجه صعوبات كبيرة على الأرض، في ظل غياب توافق داخلي شامل، واستمرار النفوذ العسكري والسياسي لحزب الله في المنطقة.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع استمرار التوترات الإقليمية، حيث يشير محللون إلى أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بشكل مباشر بمواقف القوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تُعتبر لاعباً محورياً في دعم إسرائيل، ما ينعكس على مسار أي مفاوضات أو ترتيبات أمنية في لبنان.
كما يلفت خبراء إلى أن الحديث عن هدنة طويلة الأمد لا يزال يفتقر إلى ضمانات حقيقية، خاصة في ظل استئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، الأمر الذي يعكس هشاشة الاتفاقات المؤقتة وعدم قدرتها على إحداث تغيير جذري في الواقع الميداني.
ويؤكد محللون أن استمرار العمليات العسكرية، ولو بوتيرة متفاوتة، يضعف من فرص نجاح المسار السياسي، ويجعل أي اتفاقات قيد التفاوض عرضة للتعطيل في أي لحظة، ما يكرس حالة “التسوية المؤجلة” التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وفي السياق نفسه، يرى مراقبون أن المفاوضات الحالية تدور حول ترتيبات عسكرية وأمنية أكثر من كونها تسوية سياسية شاملة، حيث يجري الحديث عن انسحابات تدريجية، وإعادة انتشار للقوات، وتحديد آليات لضبط الحدود، في إطار معقد قد يستغرق وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى أي صيغة نهائية.
كما يشير خبراء إلى أن غياب غطاء عربي ودولي قوي لدعم الدولة اللبنانية في تنفيذ قراراتها يضعف من قدرتها على فرض حلول مستقرة، ويجعلها في موقع تفاوضي هش أمام التحديات الإقليمية والدولية المتشابكة.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وتحويل جنوب لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراع، في ظل غياب حل شامل يضمن استقراراً دائماً، ويضع حداً للتوترات المتكررة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتطلب توازناً شديد الحساسية بين الاعتبارات السياسية الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، في وقت لا تزال فيه الميدان هو العامل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، متقدماً على أي مسار تفاوضي أو سياسي.










