خلافات حادة بين إدارة ترامب والعواصم الأوروبية بشأن الحرب على إيران تدفع الولايات المتحدة لإعادة انتشار قواتها وتقليص وجودها العسكري في القارة العجوزة
واشنطن – المنشر الإخبارى
كشفت تقارير إعلامية غربية عن توجه الإدارة الأميركية نحو تسريع عملية سحب قواتها العسكرية من أوروبا، في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين على خلفية الخلافات المتعلقة بالحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران ومستقبل الدور العسكري الأميركي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وذكرت صحيفة “فيلت آم زونتاغ” الألمانية، نقلاً عن مصادر في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدرس تسريع الجدول الزمني لخفض الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، على أن يتم عرض الخطة الجديدة على الدول الحليفة خلال الاجتماعات العسكرية المرتقبة للحلف الشهر المقبل.
بداية الانسحاب من ألمانيا
وكانت واشنطن قد أعلنت في وقت سابق من شهر مايو الجاري نيتها سحب نحو خمسة آلاف جندي أميركي من أصل 35 ألفاً يتمركزون في القواعد العسكرية الأميركية داخل ألمانيا، مع توقعات آنذاك بإتمام العملية خلال فترة تتراوح بين ستة واثني عشر شهراً.
إلا أن المعطيات الجديدة تشير إلى رغبة الإدارة الأميركية في تسريع هذه الخطوات، بما يعكس تحولاً استراتيجياً أوسع في السياسة الدفاعية الأميركية تجاه أوروبا.
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة ستعرض خطتها المعدلة خلال مؤتمر توفير القوات التابع لحلف الناتو المقرر عقده خلال شهر يونيو، حيث ستناقش مع الحلفاء مستقبل الانتشار العسكري الأميركي في القارة الأوروبية.
الحرب على إيران تعمّق الخلافات
ويربط مراقبون هذا التحول بالخلافات المتزايدة بين واشنطن وعدد من الحكومات الأوروبية، خصوصاً ألمانيا، بشأن إدارة الحرب ضد إيران وتداعياتها الأمنية والاقتصادية.
وشهدت الأشهر الماضية تبايناً واضحاً في المواقف بين الولايات المتحدة وبعض شركائها الأوروبيين، خاصة بعد رفض عدد من الدول الأوروبية الانخراط في عمليات عسكرية مشتركة مرتبطة بإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز خلال فترة التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، برزت انتقادات حادة من المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي شكك في النهج الأميركي تجاه الأزمة الإيرانية، معتبراً أن طهران تمتلك خبرة تفاوضية كبيرة، بينما تفتقر واشنطن إلى استراتيجية واضحة لإدارة الصراع.
هذه التصريحات أثارت استياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن انتقد مراراً ما وصفه بـ”اعتماد أوروبا المفرط” على المظلة العسكرية الأميركية دون تحمل أعباء الدفاع المشترك.
إعادة رسم الوجود العسكري الأميركي
ولا تقتصر الخطط الأميركية على ألمانيا فقط، إذ تشير تقارير متطابقة إلى أن إدارة ترامب تدرس أيضاً تقليص الوجود العسكري الأميركي في دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا وإسبانيا، مع الإبقاء على عدد محدود من القوات في مواقع تعتبرها واشنطن ذات أهمية استراتيجية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة تمثل جزءاً من توجه أميركي أوسع لإعادة توزيع القوات العسكرية عالمياً، والتركيز بشكل أكبر على مناطق تعتبرها الإدارة الأميركية أكثر أهمية للمصالح الاستراتيجية المستقبلية.
أزمة داخل الناتو
ويأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه حلف شمال الأطلسي تحديات متزايدة تتعلق بمستقبل تقاسم الأعباء الدفاعية بين أعضائه.
فالرئيس الأميركي لطالما طالب الدول الأوروبية برفع إنفاقها العسكري وتحمل مسؤوليات أكبر في حماية أمنها، معتبراً أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر داخل الحلف منذ عقود.
كما لوّح ترامب أكثر من مرة بإعادة النظر في حجم الالتزام الأميركي تجاه أمن أوروبا إذا لم تلتزم الدول الأعضاء بزيادة مساهماتها الدفاعية.
أوروبا أمام اختبار جديد
ويرى خبراء أن أي انسحاب أميركي واسع النطاق من أوروبا قد يفرض تحديات كبيرة على القدرات الدفاعية الأوروبية، خاصة في ظل الأزمات الأمنية المتلاحقة والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها القارة ومحيطها.
كما قد يدفع هذا التطور دول الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خطط بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالية، وهي فكرة تكتسب زخماً متزايداً داخل الأوساط السياسية الأوروبية منذ سنوات.
في المقابل، تعتبر واشنطن أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالاً من نموذج الحماية الأميركية التقليدية إلى نموذج يقوم على شراكة أمنية أكثر توازناً، تتحمل فيه الدول الأوروبية قسطاً أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة.










