تقارير أمريكية تتحدث عن إقالات واسعة وتقييد للمعلومات وتحقيقات موسعة وسط مخاوف من تحول جذري في ثقافة وزارة الدفاع
واشنطن- المنشر الإخباري
في تطور لافت يعكس تصاعد التوتر داخل واحدة من أهم مؤسسات صنع القرار الأمني في الولايات المتحدة، كشفت تقارير عن أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث يقود تحولًا إداريًا واسعًا داخل البنتاغون يقوم على تشديد الرقابة، وتوسيع نطاق الإقالات، وتقييد تدفق المعلومات، في ما يصفه مسؤولون حاليون وسابقون بأنه “ثقافة جديدة من عدم الثقة” داخل المؤسسة العسكرية.
وبحسب هذه التقارير، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تشهد خلال الفترة الأخيرة إعادة صياغة غير تقليدية في أسلوب الإدارة، حيث باتت القرارات أكثر مركزية في يد مكتب الوزير، مع تقليص واضح لهامش استقلالية القيادات العسكرية العليا، إلى جانب تصاعد التحقيقات المرتبطة بتسريب المعلومات الحساسة.
وتشير المصادر إلى أن هذه السياسات لم تقتصر على إجراءات تنظيمية داخلية، بل امتدت إلى تغييرات مباشرة في هرم القيادة العسكرية، شملت إقالات لعدد من كبار المسؤولين، وتجميد أو عرقلة ترقيات في مستويات عليا، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط العسكرية في واشنطن.
ومن أبرز الحالات التي أوردتها التقارير، إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال راندي جورج بعد أشهر من التوتر مع مكتب وزير الدفاع. ووفق مسؤولين، فإن الجنرال كان قد سعى لعقد لقاء مباشر مع هيغسيث بهدف احتواء الخلافات المتصاعدة، إلا أن قرار الإقالة صدر قبل أن يتحقق هذا الاجتماع، ما زاد من حدة الجدل داخل المؤسسة العسكرية.
هذا التطور يعكس، بحسب محللين عسكريين، تحوّلًا حساسًا في العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة، حيث يُنظر إلى البنتاغون تقليديًا كمؤسسة تعتمد على التوازن بين السلطة المدنية والخبرة العسكرية، وهو توازن يبدو أنه يتعرض لضغوط متزايدة في المرحلة الحالية.
وفي موازاة ذلك، تشير المصادر إلى أن وزارة الدفاع وسّعت نطاق التحقيقات المتعلقة بتسريب المعلومات، في محاولة لتعزيز الانضباط الداخلي، إلا أن هذه الإجراءات أدت في المقابل إلى خلق حالة من الحذر الشديد داخل المؤسسة، حيث بات العديد من المسؤولين يتجنبون التعامل المباشر مع قضايا حساسة خشية التعرض للمساءلة أو الإقصاء.
ويصف مسؤولون سابقون هذه الأجواء بأنها “بيئة عمل مشددة” يغلب عليها الخوف من اتخاذ قرارات أو التعبير عن مواقف قد تُفسر على أنها معارضة لسياسات الوزير، ما أدى إلى تراجع النقاشات الداخلية المفتوحة التي كانت سمة تقليدية داخل البنتاغون.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن ما يجري لا يتعلق فقط بإجراءات إدارية، بل يعكس تحولًا أعمق في فلسفة إدارة المؤسسة العسكرية، من نموذج يعتمد على التعددية المؤسسية وتبادل المعلومات، إلى نموذج أكثر انغلاقًا ومركزية في صنع القرار.
وبينما تؤكد بعض المصادر داخل وزارة الدفاع أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الانضباط ومنع التسريبات التي قد تضر بالأمن القومي، يرى منتقدون أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال إضعاف ثقة القيادات العسكرية في الإدارة، وإرباك آليات اتخاذ القرار داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في العالم.
كما يثير هذا النهج تساؤلات داخل الأوساط السياسية في واشنطن حول حدود السلطة التنفيذية داخل البنتاغون، وما إذا كانت هذه التغييرات تمثل إعادة هيكلة ضرورية أم تحولًا في طبيعة العلاقة بين المدنيين والعسكريين داخل المؤسسة الدفاعية الأمريكية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات أمنية متصاعدة على عدة جبهات دولية، ما يجعل من استقرار البنتاغون عنصرًا أساسيًا في ضمان فعالية الاستجابة الاستراتيجية الأمريكية.
وفي ظل استمرار هذه السياسات، يبدو أن الجدل داخل المؤسسة العسكرية لن يتراجع قريبًا، خصوصًا مع تزايد المخاوف من أن تؤدي المركزية المفرطة إلى إضعاف مرونة المؤسسة وقدرتها على التعامل مع الأزمات المعقدة.
وبين مؤيد يرى في هذه الإجراءات محاولة لإعادة فرض الانضباط، ومعارض يعتبرها تهديدًا للتوازن المؤسسي، يبقى البنتاغون أمام مرحلة اختبار حقيقية قد تعيد رسم ملامح القيادة العسكرية الأمريكية في السنوات المقبلة.










