واجهت شركتا التكنولوجيا الكبرى “ميتا” و”جوجل” انتكاسة قانونية مدوية في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن رفضت القضاء محاولاتهما المستميتة لإلغاء حكم قضائي سابق يدينهما بالتسبب في إدمان وسائل التواصل الاجتماعي لدى الشباب والمراهقين. وجاء هذا القرار ليعزز موقف الضحايا، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساءلة القانونية لمنصات العالم الرقمي.
أفادت وكالة رويترز في العاشر من الشهر (بالتوقيت المحلي) أن القاضية كارولين كول، من محكمة مقاطعة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا، رفضت رسمياً طلب ميتا وجوجل بإعادة المحاكمة. وأيدت القاضية حكم هيئة المحلفين الصادر سابقاً، والذي أمر الشركتين بدفع 6 ملايين دولار (ما يعادل حوالي 9 مليارات وون كوري) كتعويضات مالية للمدعية، وهي شابة أمريكية وقعت ضحية لإدمان المنصات الرقمية.
خوارزميات الإدمان تحت مجهر القضاء الأمريكي
تعود جذور هذه القضية المثيرة للجدل إلى مارس الماضي، عندما توصلت هيئة المحلفين إلى حكمها التاريخي بعد مداولات معقدة. وقررت الهيئة أن منصتي “إنستغرام” المملوكة لشركة ميتا، و”يوتيوب” التابعة لشركة جوجل، مسؤولتان بشكل مباشر عن حالات الاكتئاب الحاد والاضطرابات النفسية والسلوكية التي تعاني منها المدعية.
المدعية، وهي امرأة في العشرينات من عمرها تُعرف في وثائق المحكمة باسم “كايلي جي إم”، كانت قد رفعت دعواها مستندة إلى أن المنصتين تعتمدان على خوارزميات مصممة خصيصاً لإثارة الإدمان وجذب الأطفال والمراهقين للاستخدام المفرط دون مراعاة لسلامتهم العقلية.
وفي جولات المحاكمة، حاولت الشركتان الدفاع عن نفسيهما بشتى الطرق؛ حيث زعمت شركة ميتا أن كايلي تعاني في الأصل من مشاكل واضطرابات في الصحة العقلية لا علاقة لها باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ومن جانبه، أصر موقع يوتيوب على نفي التهمة عبر الادعاء بأن منصته هي منصة بث فيديو تشبه التلفزيون التقليدي وليست وسيلة تواصل اجتماعي خاضعة لتلك المعايير، إلا أن هيئة المحلفين رفضت هذه التبريرات جملة وتفصيلاً.
قانون آداب الاتصالات: جدار الحماية الذي انهار
ورداً على الحكم، جادلت شركتا ميتا وجوجل بالحصانة القانونية استناداً إلى أحكام المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأمريكي (CDA)، والتي تنص تاريخياً على أن شركات المنصات الإلكترونية لا تتحمل المسؤولية القانونية عن المحتوى الضار أو غير القانوني الذي يقوم المستخدمون بطهيه وتحميله.
وينص هذا البند التشريعي على أنه، على سبيل المثال، حتى لو قام مستخدم معين بنشر مواد فاحشة أو منشورات تتعلق بالجرائم والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذه المسؤولية الجنائية والمدنية تقع على عاتق المستخدم وحده، وليس على عاتق مشغل وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، لم يقبل القاضي كول حجج الشركتين وتفسيرهما للقانون، مصرحاً بشكل حاسم:
“إن الحكم القانوني ذي الصلة بقانون آداب الاتصالات لا يتناول تصميم الشركات لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بها، بل يتعلق بالمحتوى المرفوع”. وحث القاضي مراراً وتكراراً على عدم خلط الأمور والنظر في تصميم النظام نفسه وليس في المحتوى الذي تم تحميله من قبل المستخدمين.
صراع الاستئناف ومستقبل آلاف القضايا المماثلة
رغم الخسارة، لم تستسلم الشركتان؛ حيث أعلنت شركة ميتا في بيان لها: “إن حجة المدعين هي محاولة للتحايل بشكل غير مبرر على قانون آداب الاتصالات والتعديل الأول للدستور الأمريكي، ونتوقع أن يتم نقض هذا الحكم تماماً عند الاستئناف”. كما أكدت شركة جوجل في بيان مماثل أنها تخطط لاستئناف هذا القرار والذهاب بالقضية إلى درجات تقاضٍ أعلى.
وفي المقابل، أبدى مارك لانيير، المحامي الذي يمثل المدعية كايلي، ثقة مفرطة بقوله إن “هناك كماً هائلاً من الأدلة الدامغة لإثبات إهمال الشركات الجسيم وتعمّدها إلحاق الضرر”، مؤكداً أنه لن يتفاجأ أحد بقرار الرفض النهائي للطعون.
وتكتسب هذه المعركة القانونية أهمية قصوى، حيث تواصل ميتا وجوجل ردهما الشرس لأن هذه الدعوى القضائية تم تصنيفها كـ “محاكمة نموذجية” (Bellwether trial) ستحدد معالم ومصير آلاف القضايا المماثلة المرفوعة ضدهما. وبناءً على ذلك، إذا خسرت الشركات هذه القضية بشكل نهائي، فمن المرجح جداً أن تتبعها استنتاجات وأحكام إدانة مماثلة في تعويضات بمليارات الدولارات في المستقبل.










