تل أبيب تتحدى التفاهم الأمريكي الإيراني وتؤكد استمرار عملياتها الميدانية رغم إعلان تهدئة إقليمية شاملة
تل أبيب- المنشر الإخباري
بينما كانت العواصم الإقليمية والدولية تترقب انعكاسات الإعلان عن اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، برز موقف إسرائيلي حاد يعيد خلط الأوراق على الأرض، بعد إعلان تل أبيب رفضها الالتزام ببنود الاتفاق، وتمسكها باستمرار وجود قواتها في مناطق تعتبرها “حيوية أمنياً” داخل لبنان وسوريا وقطاع غزة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه أطراف دولية عن اتفاق يُفترض أنه يضع حدًا لحرب ممتدة منذ أسابيع، ويشمل وقفاً شاملاً للعمليات العسكرية وإعادة فتح الممرات الحيوية في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز.
كاتس: البقاء العسكري “ضروري للأمن القومي”
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن قوات بلاده ستبقى في لبنان وسوريا وقطاع غزة “إلى أجل غير مسمى”، مؤكداً أن هذا الوجود العسكري يمثل، بحسب وصفه، أحد أبرز “إنجازات الجيش الإسرائيلي” في المرحلة الحالية.
وقال كاتس إن الحكومة، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعتمد سياسة أمنية تقوم على الاحتفاظ بمناطق سيطرة ميدانية في ما يسميه “المناطق العازلة”، بهدف منع ما وصفه بتهديدات قادمة من “العناصر المسلحة على الحدود الشمالية والجنوبية”.
وأضاف أن هذا التوجه تم إبلاغه إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إطار تنسيق أمني لا يلغي، وفق تعبيره، “حق إسرائيل في اتخاذ القرار المستقل عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي”.
كما حذّر كاتس من أن أي هجوم إيراني محتمل سيُقابل بـ”رد واسع النطاق”، مؤكداً أن إسرائيل ستُظهر “تفوقها العسكري الكامل” في أي مواجهة مقبلة.
بن غفير وسموتريتش: رفض كامل للاتفاق
في موازاة الموقف الرسمي، صعّد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير من لهجته، قائلاً إن “اتفاق ترامب لا يُلزم إسرائيل بشيء”، في إشارة إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني.
وشدد بن غفير على أن إسرائيل “ليست طرفاً في الاتفاق”، معتبراً أن أي تسوية لا تتضمن تفكيك البنية العسكرية لحزب الله غير مقبولة أمنياً.
من جهته، وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الاتفاق بأنه “تطور سلبي”، داعياً إلى استمرار الضغط العسكري والسياسي على إيران لمنعها من امتلاك قدرات نووية.
ورغم انتقاداته، أشار سموتريتش إلى أن الحكومة الحالية تواجه ضغوطاً دولية “غير مسبوقة”، وأن أي قيادة بديلة كانت ستجد نفسها في موقف أكثر صعوبة.
المعارضة: “فشل استراتيجي وقيادة منهارة”
في المقابل، شنّت المعارضة الإسرائيلية هجوماً واسعاً على الحكومة، إذ اعتبر زعيم المعارضة يائير لابيد أن الاتفاق يمثل “هزيمة سياسية واضحة” لإسرائيل، مضيفاً أن الحكومة فقدت قدرتها على إدارة الملف الأمني والدبلوماسي في آن واحد.
وقال لابيد إن الأحداث الأخيرة تكشف عجز الحكومة عن حماية المدنيين أو فرض رؤية استراتيجية طويلة المدى، داعياً إلى انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة جديدة.
كما وصف الوزير السابق بيني غانتس المشهد بأنه “كئيب سياسياً وأمنياً”، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية لإسرائيل.
أما النائب السابق لرئيس الأركان يائير غولان فذهب أبعد من ذلك، واصفاً الحكومة بأنها “مسؤولة عن فشل استراتيجي عميق”، محملاً القيادة السياسية تداعيات التدهور الأمني الحالي.
توتر ميداني في أكثر من جبهة
ميدانياً، تشير تقارير إسرائيلية إلى استمرار العمليات العسكرية بشكل محدود في جنوب لبنان، رغم الحديث عن اتفاق وقف الحرب. كما أفادت مصادر ميدانية بحدوث قصف متقطع في مناطق حدودية، ما يعكس هشاشة التهدئة المعلنة.
وفي غزة، لا تزال الأوضاع غير مستقرة، وسط استمرار تحركات عسكرية متقطعة، بينما تبقى الجبهة السورية ضمن دائرة التوتر المرتفع مع استمرار الغارات الإسرائيلية على أهداف تقول تل أبيب إنها مرتبطة بميليشيات إيرانية.
وتؤكد إسرائيل أن بقاء قواتها في هذه المناطق “ضروري لمنع عودة التهديدات”، بينما ترى أطراف إقليمية أن هذا الوجود يعرقل أي مسار تهدئة شامل.
لبنان بين الحذر والانتظار
في بيروت، يسود حذر واضح بعد الإعلان عن الاتفاق، إذ لم تؤكد الحكومة اللبنانية رسمياً تفاصيل أي ترتيبات نهائية تخص وقف العمليات العسكرية.
ونقلت مصادر دبلوماسية أن السلطات اللبنانية لم تتسلم بعد نصوص الاتفاق بشكل كامل، رغم التوقعات بأن يشمل التفاهم وقفاً دائماً لإطلاق النار على الجبهة الجنوبية.
كما دعت السلطات المحلية في جنوب لبنان السكان إلى عدم العودة السريعة إلى القرى الحدودية، بسبب استمرار المخاوف الأمنية ووجود قوات إسرائيلية في ما تصفه تل أبيب بـ”المناطق الأمنية”.
إيران: الاتفاق يوقف الحرب “بشكل دائم”
في المقابل، أكدت طهران أن الاتفاق ينص على وقف الحرب “بشكل فوري ودائم”، بما يشمل مختلف الجبهات الإقليمية، وفق ما صرح به نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي.
لكن غياب نصوص رسمية منشورة حتى الآن، ووجود تباينات في التفسير بين الأطراف، يثير تساؤلات واسعة حول مدى صلابة الاتفاق وإمكانية تطبيقه على الأرض.
مشهد مفتوح على احتمالات متناقضة
رغم إعلان الاتفاق الأمريكي الإيراني، يبدو المشهد في الشرق الأوسط أبعد ما يكون عن الاستقرار النهائي. فبينما تتحدث واشنطن وطهران عن مرحلة جديدة من التهدئة، تواصل إسرائيل تبني موقف عسكري متشدد يرفض الانسحاب أو تقليص الوجود الميداني.
هذا التناقض بين المسار الدبلوماسي والتطورات الميدانية يضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، قد تحدد ما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى تسوية دائمة، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل لم يُحسم بعد.










