إدارة ترامب تعتمد توازناً داخلياً بين جناح تفاوضي يقوده جي دي فانس وجناح أكثر تشدداً يقوده ماركو روبيو في مقاربة الملف الإيراني
واشنطن – المنشر_الاخباري
تتجه السياسة الأميركية تجاه إيران في مرحلة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى صياغة معقدة تقوم على مزيج من الضغط السياسي والدبلوماسية الحذرة، في وقت تتباين فيه الرؤى داخل البيت الأبيض بين مسؤولين كبار حول أفضل طريقة للتعامل مع طهران، خاصة في الملفات الأكثر حساسية مثل البرنامج النووي الإيراني، والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وممرات الطاقة الحيوية.
وبحسب تقارير إعلامية أميركية، فإن إدارة ترامب لا تتعامل مع الملف الإيراني من خلال مسار واحد واضح، بل عبر مقاربة متعددة الطبقات، يصفها بعض مستشاري الإدارة بأنها أقرب إلى “سكين سويسري” متعدد الأدوات، حيث يمكن استخدام أكثر من أداة سياسية ودبلوماسية في الوقت نفسه لتحقيق أهداف مختلفة، مع بقاء الرئيس ترامب في موقع “صاحب القرار النهائي” الذي يوازن بين هذه الأدوات ويوجهها وفق تطورات المشهد.
في هذا السياق، يبرز نائب الرئيس جي دي فانس كأحد الأصوات الأكثر ميلاً إلى التهدئة، والدفع نحو تسويات سياسية يمكن أن تخفف من حدة التوتر مع إيران، وتفتح المجال أمام تفاهمات تدريجية قد تشمل تخفيف التصعيد العسكري، وإعادة تنشيط قنوات التفاوض، وربما الوصول إلى اتفاقات مرحلية تتعلق بالملف النووي مقابل ضمانات أمنية في المنطقة.
في المقابل، يقف وزير الخارجية ماركو روبيو على طرف أكثر تشدداً داخل الإدارة، حيث يُنظر إليه على أنه من أبرز الداعمين لسياسة الضغط الأقصى على إيران، والتحفظ على أي اتفاقات جزئية قد لا تعالج بشكل كامل ملف تخصيب اليورانيوم أو الأنشطة الإقليمية لطهران. ويؤيد هذا التوجه عدد من كبار مسؤولي الأمن القومي والاستخبارات والدفاع، الذين يرون أن أي تساهل مبكر قد يمنح إيران مساحة لتعزيز نفوذها الاستراتيجي.
ورغم هذا التباين، تؤكد مصادر في الإدارة الأميركية أن الخلاف بين فانس وروبيو لا يُعد انقساماً حاداً، بل هو توزيع أدوار داخل استراتيجية واحدة، تهدف إلى إبقاء جميع الخيارات مفتوحة أمام الرئيس. ويُنظر إلى هذا التعدد في الرؤى باعتباره جزءاً من أسلوب إدارة ترامب نفسه، الذي يميل إلى خلق توازن بين المواقف المتشددة والمرنة للوصول إلى أفضل نتيجة تفاوضية ممكنة.
وتشير التقارير إلى أن فانس كان من أبرز المشاركين في محادثات داخلية مرتبطة بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع إيران عبر وسطاء ومبعوثين خاصين للرئيس، حيث ركزت هذه النقاشات على إمكانية تخفيف التوترات الإقليمية، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واقتصادية قد تشمل مناطق النزاع في الشرق الأوسط، إضافة إلى بحث مستقبل الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز الذي يشكل نقطة استراتيجية حساسة في سوق الطاقة العالمي.
في المقابل، يرى فريق روبيو أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يكون شاملاً ومقيداً بشكل صارم، مع آليات تحقق دولية قوية، وضمانات تمنع أي تجاوزات مستقبلية، سواء على مستوى البرنامج النووي أو دعم الفصائل المسلحة في المنطقة. ويخشى هذا التيار من أن تؤدي التفاهمات الجزئية إلى إعادة إنتاج أزمات سابقة، حيث تنهار الاتفاقات تدريجياً بسبب غياب آليات تنفيذ صارمة.
وتزداد تعقيدات المشهد بسبب تداخل عدة مسارات تفاوضية في وقت واحد، إذ تتحدث مصادر دبلوماسية عن وجود أكثر من قناة اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران، تشمل تفاهمات أولية، واتفاقات إطارية، وترتيبات أمنية إقليمية تشمل أطرافاً أخرى مثل إسرائيل ولبنان ودول الخليج. هذا التعدد في المسارات أدى إلى حالة من الارتباك لدى بعض العواصم المعنية، التي تسعى لفهم ما إذا كانت هناك سياسة أميركية واحدة موحدة أو عدة سياسات متوازية.
ورغم هذا التعقيد، يصر البيت الأبيض على أن الإدارة تعمل ضمن رؤية واحدة، وأن ما يبدو اختلافاً في الأساليب هو في الحقيقة تنوع في الأدوات، وليس تناقضاً في الأهداف. ووفقاً لمتحدثين رسميين، فإن الهدف النهائي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع تقليل احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة، وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.
في هذا الإطار، تلعب الاعتبارات الاقتصادية دوراً مهماً في صياغة السياسة الأميركية، إذ تسعى الإدارة إلى تجنب أي اضطراب كبير في مضيق هرمز أو أسواق النفط العالمية، وهو ما يجعل خيار التهدئة أو التفاهمات الجزئية أكثر جاذبية في بعض الدوائر داخل الإدارة، رغم اعتراضات التيار المتشدد.
وفي المحصلة، تعكس السياسة الأميركية تجاه إيران حالة من “إدارة التوازنات الدقيقة”، حيث لا تغلب رؤية واحدة بشكل كامل، بل يتم المزج بين الضغط والدبلوماسية، وبين التهديد والتفاوض، في محاولة للوصول إلى صيغة تمنع الانفجار الإقليمي من جهة، وتحافظ على المصالح الاستراتيجية الأميركية من جهة أخرى، بينما يبقى القرار النهائي بيد الرئيس ترامب، الذي يستخدم هذا التعدد داخل إدارته كأداة تفاوضية بحد ذاتها في مواجهة طهران.










