الهجمات الأوكرانية تدفع أكبر منتج للطاقة في العالم إلى استيراد الوقود من الهند وكازاخستان، وسط نقص حاد في الإمدادات وارتفاع الأسعار وتعطل قطاعات حيوية داخل روسيا.
كييف – المنشر_الاخباري
في تطور وصفه مراقبون بأنه أحد أبرز المؤشرات على تأثير الحرب الأوكرانية في الداخل الروسي، اضطرت موسكو إلى اللجوء لاستيراد البنزين من الخارج لأول مرة منذ سنوات، بعدما أدت الهجمات الأوكرانية المتكررة بالطائرات المسيّرة إلى تعطيل جزء كبير من البنية التحتية الخاصة بتكرير النفط، لتتحول روسيا، أكبر منتج للطاقة في العالم، من مصدر رئيسي للوقود إلى مستورد له.
وبحسب تقارير، بدأت روسيا بالفعل استقبال شحنات بحرية من البنزين قادمة من الهند، كما أبرمت اتفاقًا مع كازاخستان لتوريد 50 ألف طن متري من الوقود خلال شهري يوليو وأغسطس، في محاولة لاحتواء أزمة متفاقمة تهدد السوق المحلية والقطاعات الاقتصادية الحيوية.
ثلث المصافي خارج الخدمة
جاء هذا التحرك بعد أشهر من الضربات الأوكرانية التي استهدفت مصافي النفط ومستودعات التخزين ومنشآت الطاقة داخل الأراضي الروسية، وهي الهجمات التي تسببت، وفق تقديرات الصناعة، في تعطيل نحو ثلث القدرة الروسية على تكرير النفط.
وأظهرت بيانات قطاع الطاقة أن حجم النفط الخام الذي جرى تكريره خلال يونيو انخفض بنسبة 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 3.95 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى تسجله روسيا منذ أكثر من عشرين عامًا.
كما تراجع إنتاج البنزين بنسبة 17% إلى نحو 850 ألف برميل يوميًا، وهو مستوى لا يكفي لتغطية الطلب المحلي، خاصة مع زيادة الاستهلاك خلال موسم الصيف وبدء الأنشطة الزراعية.
الهند وكازاخستان تنقذان السوق الروسية
ولتعويض هذا العجز، اتجهت موسكو إلى الاستفادة من علاقاتها الاقتصادية مع الهند وكازاخستان.
فقد بدأت شحنات البنزين الهندية بالوصول عبر البحر لتغذية السوق الروسية، في خطوة غير مألوفة لدولة اعتادت تصدير ملايين البراميل من النفط والمنتجات البترولية إلى الأسواق العالمية.
كما وافقت كازاخستان على تزويد روسيا بـ50 ألف طن من الوقود خلال الشهرين المقبلين، في إطار ترتيبات ثنائية تهدف إلى تخفيف الضغوط على الإمدادات المحلية.
ويرى محللون أن اعتماد موسكو على واردات الوقود يعكس حجم الضرر الذي أصاب قطاع التكرير، إذ إن المشكلة لم تعد مرتبطة بإنتاج النفط الخام، بل بقدرة المصافي على تحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك.
ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات
ومع اتساع فجوة العرض والطلب، بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح في مختلف المناطق الروسية.
فقد فرضت السلطات المحلية إجراءات لترشيد توزيع الوقود في أكثر من نصف الأقاليم الروسية، بينما شهدت بعض المدن ارتفاعات حادة في الأسعار.
وفي مدينة سيفاستوبول، ارتفعت أسعار البنزين بنحو 30% خلال أسبوع واحد، في حين تجاوز سعر اللتر في بعض المناطق التي تعاني نقصًا حادًا 2.42 دولار، مقارنة بمتوسط السعر الوطني البالغ نحو 72.38 روبل للتر.
كما أفادت تقارير محلية بظهور طوابير أمام عدد من محطات الوقود، مع فرض قيود على الكميات المسموح بشرائها في بعض المناطق.
الحصاد في خطر
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المستهلكين فقط، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية، أبرزها الزراعة.
فمع انطلاق موسم الحصاد الصيفي، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن نقص الوقود قد يعرقل عمليات حصاد المحاصيل ونقلها، ما قد ينعكس على الأمن الغذائي وأسعار المواد الأساسية.
وأكد بوتين أن الحكومة تعمل على إعطاء أولوية لتوفير الوقود للمزارعين، في محاولة لتجنب اضطرابات أوسع في سلاسل الإمداد الغذائية.
خدمات عامة تتوقف
كما بدأت الأزمة تؤثر على الخدمات العامة في عدد من المناطق الروسية.
ففي إقليم زابايكالسكي، اضطرت السلطات إلى إلغاء بعض خطوط الحافلات بسبب نقص الوقود، كما توقفت خدمات جمع النفايات في عدد من البلديات، نتيجة عدم توافر الإمدادات اللازمة لتشغيل المركبات.
ويرى خبراء أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل قطاعات أخرى، تشمل النقل التجاري والخدمات اللوجستية، وهو ما سيضاعف الضغوط على الاقتصاد الروسي.
العقوبات تعرقل الإصلاح
ورغم محاولات السلطات إعادة تشغيل المصافي المتضررة، فإن العقوبات الغربية المفروضة على موسكو لا تزال تعيق عمليات الإصلاح.
فبحسب التقديرات، تواجه شركات الطاقة الروسية صعوبة في الحصول على المعدات والقطع المتخصصة اللازمة لإعادة بناء وحدات التكرير التي تعرضت للقصف.
وتشير التقديرات إلى أن إصلاح مصفاة موسكو الرئيسية، التي كانت توفر نحو 40% من احتياجات العاصمة والمناطق المحيطة من الوقود، سيستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أشهر.
ويعني ذلك أن الأزمة قد تستمر خلال موسم الصيف، وربما تمتد إلى الأشهر المقبلة إذا استمرت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة.
إجراءات طارئة
وفي محاولة للحد من تفاقم الأزمة، فرضت الحكومة الروسية قيودًا على صادرات البنزين ووقود الطائرات، كما تدرس فرض حظر أوسع على صادرات الديزل، بهدف توجيه الإنتاج المتاح إلى السوق المحلية.
ويرى محللون أن هذه الإجراءات قد تساعد مؤقتًا في تقليص العجز، لكنها لن تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في خروج عدد كبير من المصافي عن الخدمة.
ويؤكد مراقبون أن اضطرار روسيا إلى استيراد الوقود، رغم امتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، يعكس مدى تأثير الحرب الأوكرانية على الداخل الروسي، ويكشف أن استهداف البنية التحتية للطاقة أصبح أحد أكثر الأسلحة فعالية في الصراع المستمر بين موسكو وكييف.










