مع انطلاق السنة المالية الجديدة في يوليو الجاري، بدأت الحكومة المصرية تنفيذ حزمة من القرارات الاقتصادية الهيكلية التي تستهدف إعادة توجيه الدعم، وربط أسعار الخدمات بتكلفتها الفعلية، في إطار برنامج إصلاحي شامل يهدف لضمان استدامة المالية العامة ومواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد الوطنية.
إصلاحات منظومة المياه: نحو “البصمة المائية”
اتخذت وزارة التنمية المحلية وهيئة المجتمعات العمرانية خطوات واسعة لرفع تسعيرة مياه الشرب والصرف الصحي؛ حيث تراوحت نسب الزيادة للمنازل بين 25% لتصل إلى 50% في بعض المناطق الساحلية والسياحية والنائية.
وتتجاوز هذه الخطوة مجرد رفع الأسعار لتشمل تحولاً في فلسفة إدارة الموارد المائية، حيث كشفت مصادر في شركات مياه الشرب عن البدء في إعداد منظومة “البصمة المائية” للمشروعات الصناعية.
وتعتمد هذه المنظومة على قياس دقيق لاستهلاك كل منشأة، مع زيادة أسعار التوريد للمصانع كثيفة الاستهلاك بنحو 25%، بهدف تحفيز القطاع الصناعي على إعادة تدوير المياه واستخدام المياه المعالجة بدلاً من مياه الشرب في العمليات الإنتاجية، وذلك باعتبار المياه مورداً اقتصادياً محدوداً يجب إدارته وفق أولويات التنمية.
الكهرباء: تحميل التكلفة للنشاط التجاري
وعلى صعيد قطاع الكهرباء، أقرت الحكومة زيادات على شرائح الاستهلاك التجاري والأعلى استهلاكاً.
وأوضح رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن الزيادة بنسبة 20% للقطاع التجاري (مثل المطاعم والمقاهي) ترتبط حصراً بالاستهلاك بعد ساعات العمل الرسمية.
وأشار مدبولي إلى أن هذا القرار جاء بالتوافق مع الغرف التجارية، مؤكداً أن استمرار عمل هذه الأنشطة حتى الثانية صباحاً يفرض أعباءً إضافية على الدولة في استهلاك الوقود، ومن حقها تمرير هذه التكلفة على النشاط التجاري المستفيد، دون تحميل المواطن أية أعباء إضافية مباشرة.
الوقود والتسعير التلقائي
في سياق متصل، أكد رئيس الوزراء خلال مؤتمر صحافي، الأربعاء، عودة عمل “لجنة التسعير التلقائي” للوقود بشكل دوري اعتباراً من الربع الأول من العام المالي الحالي (يوليو – سبتمبر).
وبرر مدبولي عدم خفض أسعار الوقود حالياً رغم التذبذبات العالمية، بأن الهيئة المصرية العامة للبترول تحملت تكاليف ضخمة خلال الفترات الماضية لتفادي تحميل المواطنين زيادات أكبر عند ذروة الأزمة العالمية وارتفاع سعر صرف الدولار ليصل إلى 55 جنيهاً.
وأضاف أن الحكومة تركز حالياً على تجاوز ذروة استهلاك الصيف وتأمين احتياجات السوق قبل الانتظام في تطبيق الآلية وفق متوسطات التكلفة، وليس بناءً على التحركات اليومية.
الحوكمة والإصلاح الهيكلي
وعلى مسار آخر، أعلن مدبولي عن قيد 20 شركة حكومية مؤقتاً في البورصة، كخطوة لتعزيز الحوكمة والشفافية قبل طرح حصص منها بنهاية العام. كما أشار إلى أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يعكس نجاح المسار الاقتصادي، كاشفاً عن تعديلات على “المساهمة التكافلية” لتكون قابلة للخصم من الوعاء الضريبي، في بادرة لدعم مجتمع الأعمال وتخفيف أعبائه التشغيلية.
تأتي هذه القرارات ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى التوسع في مشاريع تحلية مياه البحر، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتقليص الفجوة بين سعر الخدمة وتكلفتها الفعلية، لضمان استقرار الاقتصاد الكلي في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.










