لطالما تمحورت علاقة تركيا بالصومال تاريخياً حول العلاقات الشخصية مع الرؤساء المتعاقبين في مقديشو، بدلاً من بناء علاقات مؤسسية مستدامة مع هياكل الدولة الفيدرالية أو الدول الأعضاء، مما يضع بونتلاند وجوبالاند في مواجهة النفوذ التركي.
ورغم أن هذا النهج سمح للبصمة التركية بالبقاء في ظل التغييرات القيادية، إلا أنه جعل استراتيجية أنقرة عرضة للمخاطر في ظل الأزمة الدستورية الراهنة.
النهج التركي القائم على “شخصنة السياسة” بات اليوم متشابكاً مع تنافس إقليمي حاد (تأجج بعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند والتنافس على الممرات المائية في البحر الأحمر)، مما يضع مستقبل النفوذ التركي في مهب الريح مع تصاعد المقاومة من بونتلاند وجوبالاند والمعارضة الصومالية.
نمط تكيّف لا بناء مؤسساتي
لم تكن علاقة تركيا بالصومال يوماً قائمة على التفاعل الحقيقي مع مؤسسات الدولة الصومالية، بل كانت علاقة مع “شاغل المنصب” في القصر الرئاسي بمقديشو.
ومنذ زيارة رجب طيب أردوغان التاريخية في 2011، ركزت أنقرة على كسب ود كل رئيس صومالي، بدءاً من شريف شيخ أحمد وصولاً إلى حسن شيخ محمود.
لقد نجحت تركيا في الحفاظ على نفوذها عبر أربعة قادة مختلفين ليس لأن المؤسسات الصومالية تتسم بالاستمرارية، بل لأن كل قائد وجد مصلحة سياسية في أن يكون “ممثل تركيا” في الداخل. لقد كيّفت تركيا نفسها مع كل شخصية، وتجنبت بناء علاقة راسخة في النظام الفيدرالي، وهو ما يفسر اليوم سبب اعتبار خصوم الحكومة الفيدرالية أن أنقرة ليست وسيطاً محايداً.
“حلقة المتحدث” والأزمة الدستورية
يتجلى خطر الرهان على الشخصيات في صعود عبد القادر محمد نور جامع، رئيس مجلس الشعب الصومالي، الذي يعد مثالاً حياً على استثمار تركيا في مسيرة أفراد. فجامع، الذي تربطه علاقات وثيقة ومعلنة بأنقرة، وصل إلى منصبه عبر عملية سياسية قاطعتها ولايات رئيسية، في حين استخدمت قوات مدربة تركياً لتمهيد الطريق لبعض الإجراءات البرلمانية.
وأدى هذا إلى فراغ دستوري وتمديد غير قانوني لولايات الرئيس والبرلمان حتى عام 2027، مما دفع قوى معارضة ومجلس “مستقبل الصومال” لوصف ما حدث بـ “الانقلاب الدستوري”.
وبما أن أنقرة تصر على التعامل مع هذه الدائرة المقربة، فقد أصبحت طرفاً في الأزمة بدلاً من أن تكون حلاً لها.
بونتلاند: تراكم المظالم والسيادة
لا يقتصر التوتر على مقديشو؛ فقد اصطدمت بونتلاند مراراً بالمصالح التركية. حوادث مثل مصادرة شحنات عسكرية تركية، وحظر نشاط شركة “سومترك” التركية، والانتقادات العلنية لاتفاقيات النفط والدفاع، تُظهر أن النزاع جوهري حول “السيادة والموارد” وليس صراع شخصيات.
وبونتلاند ترى في الدبلوماسية التركية مجرد امتداد لتجاوزات الحكومة الفيدرالية، مما جعل جهود الوساطة التركية غير مرحب بها في ولايات أساسية.
صراع القوى في القرن الأفريقي
لم تعد استراتيجية تركيا في الصومال قضية ثنائية، بل أصبحت جبهة في صراع إقليمي أوسع. اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر 2025 كان نقطة تحول جيوسياسية؛ دفع أنقرة لتصعيد وجودها العسكري (طائرات إف-16 ودبابات وقواعد محتملة) لحماية مصالحها وضمان عدم تغلغل التحالف الإسرائيلي-الإماراتي في المناطق الساحلية.
تحاول تركيا الآن إدارة المشهد الإقليمي عبر مقديشو، لكنها بهذا النهج تهمل المطالب الجوهرية للأطراف الأخرى، مما يترك النزاعات الأساسية دون حل. إن القرن الأفريقي اليوم هو بيئة مضطربة لا تحتمل استمرار صراعات النفوذ التقليدية، خاصة مع عودة التهديدات في باب المندب.
المهاجرون الصوماليون في تركيا: تداعيات اجتماعية
بعيداً عن السياسة، هناك جانب إنساني مقلق، إذ تعرض مهاجرون صوماليون في تركيا لانتهاكات موثقة (مداهمات عنصرية، ترحيل قسري، استغلال عمالي). ورغم أن هذه الانتهاكات لا تعكس سياسة دولة متعمدة، إلا أنها تترك انطباعات سلبية لدى الصوماليين تجاه “الأخوة التركية”، وتُظهر أن غياب الأطر القانونية لحماية المهاجرين الأفارقة في تركيا يُعد ثغرة في جدار العلاقات العامة لأنقرة.
الخلاصة: الرهان الخاسر
لقد أثمر رهان تركيا على الشخصيات لمدة عقد من الزمن، لكن هذا الرهان يواجه الآن طريقاً مسدوداً. إن سياسة خارجية مبنية على الصداقة مع “الرجل في القصر”، بدلاً من الاحترام للدستور الفيدرالي، ستجعل تركيا رهينة لرحيل هؤلاء الأشخاص.
فبونتلاند وجوبالاند وقوى المعارضة أظهرت نيتها البقاء بعد رحيل الرئيس حسن شيخ محمود، مما يعني أن الاستراتيجية التركية الحالية قد تجد نفسها معزولة في مقديشو، بعيداً عن تطلعات القاعدة الشعبية والولايات الفيدرالية في الصومال، مما قد يؤدي إلى فقدان أنقرة لنفوذها الذي بنته بصعوبة على مدار سنوات.










