في مؤشر ينذر بـ “كارثة صحية” تلوح في الأفق، كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة تل أبيب، بالاستناد إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي وتراخيص وزارة الصحة، أن “إسرائيل” تشهد حالياً أسوأ موجة هجرة للأطباء منذ بدء تسجيل هذه البيانات، محذرة من أن الجهاز الصحي بات عالقاً في “دائرة تدهور ذاتية” قد يستحيل وقفها.
أرقام “خارجة عن التوازن”
وتشير لغة الأرقام في الدراسة إلى تزايد مرعب في معدلات المغادرة؛ حيث فقدت إسرائيل خلال عامي 2023 و2024 صافي 509 أطباء.
وفي عام 2024 وحده، غادر 530 طبيباً مقابل عودة 202 فقط، ليسجل هذا العام أعلى خسارة صافية في تاريخ الإحصاءات الرسمية (328 طبيباً).
ويؤكد الباحثون أن هذه الأرقام تمثل “خروجاً عن حالة التوازن”؛ فبعد سنوات كانت الخسارة السنوية تتراوح بين صفر و130 طبيباً، قفزت الأرقام بشكل حاد ابتداءً من عام 2023 (181 طبيباً) لتتفاقم في 2024.
ومن الجدير بالذكر أن الدراسة اعتمدت معايير صارمة، حيث لا يُحتسب ضمن “المهاجرين” إلا من أقام خارج إسرائيل لأكثر من 270 يوماً، مما يستثني الأطباء الذين يعملون في الخارج لفترات مؤقتة.
خسارة “الاستثمار المحلي”
ما يضاعف من وطأة هذه الأزمة هو حقيقة أن ثلثي الأطباء الذين غادروا في عام 2024 هم من خريجي كليات الطب الإسرائيلية. وهذا يعني أن الدولة لا تخسر فقط كوادرها العاملة، بل تخسر استثمارات ضخمة ضختها في تدريب وتأهيل هؤلاء الأطباء محلياً، وهو أمر يجعل تعويض هذه الخبرات الطبية أمراً بالغ الصعوبة.
تأتي هذه الموجة في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلاً من “شيخوخة” القوة العاملة، حيث يتجاوز ربع الأطباء المسجلين سن 67 عاماً، بالإضافة إلى تدني معدل الأطباء لكل ألف نسمة (3.5) مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (3.7).
وتتخوف المؤسسات الصحية من أن يزيد تطبيق إصلاح “يتسيف” في عام 2026، الذي يقيد الاعتراف بشهادات الطب الأجنبية، من حدة النقص، خاصة في المناطق الطرفية.
“السياسة” تدفع الأطباء للهجرة
على غير المتوقع، كشفت الدراسة واستطلاعات رأي أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن “الأجور” ليست المحرك الأساسي لهذه الهجرة. ففي استطلاع أُجري في وفمبر 2025، تبين أن أصحاب المهن العليا يغادرون نتيجة تراجع الثقة بالحكم، والقلق العميق على مستقبل الأبناء، والاضطراب السياسي والأمني المستمر منذ أواخر عام 2022.
ويختتم الباحثون تقريرهم بتحذير قاتم: إسرائيل تواجه اليوم “حلقة تغذية راجعة سلبية”؛ إذ يؤدي رحيل كل طبيب إلى إرهاق زملائه الباقين، مما يرفع نسب الاستقالات والبحث عن فرص عمل بالخارج، ويجعل من استعادة استقرار المنظومة الصحية مهمة مستحيلة مع مرور الوقت.











