اتهامات متبادلة بخرق التفاهمات وتصعيد عسكري يعيد مضيق هرمز إلى واجهة الصراع بين طهران وواشنطن.. والممر البحري الأهم في العالم يتحول مجددًا إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
طهران – المنشر_الاخباري
عاد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إلى قلب التوترات الإقليمية والدولية، بعدما أعلنت إيران تمسكها بإدارة الممر الاستراتيجي وفق “ترتيبات إيرانية”، متهمة الولايات المتحدة بخرق التفاهمات الثنائية والسعي إلى تقويض نفوذها في واحد من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
التصعيد الجديد جاء في أعقاب تبادل الاتهامات بين طهران وواشنطن بشأن تنفيذ بنود “مذكرة إسلام آباد” المكونة من 14 بندًا، والتي تقول إيران إنها منحتها دورًا محوريًا في إدارة مضيق هرمز بالتشاور مع سلطنة عمان.
ووفق الرواية الإيرانية، فإن المادة الخامسة من المذكرة تنص بوضوح على أن إدارة المضيق تتم وفق “ترتيبات إيرانية”، مع ضمان المرور الآمن للسفن التجارية بين الخليج العربي وخليج عمان. وتعتبر طهران أن هذه الصيغة تمثل اعترافًا صريحًا بمكانتها بوصفها الطرف الرئيسي المسؤول عن تنظيم الملاحة في هذا الممر البحري الحساس.
لكن الخلاف سرعان ما تصاعد بعدما كشفت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع سلطنة عمان، عن ممر ملاحي بديل جنوب المضيق. ورأت طهران في الخطوة تجاوزًا للتفاهمات القائمة ومحاولة لتهميش دورها في إدارة المضيق، فيما وصف الحرس الثوري الإيراني المسار الجديد بأنه “غير مقبول وخطير”.
وتقول إيران إن الأزمة الحالية لا تتعلق بالملاحة البحرية فقط، بل تعكس انهيارًا أوسع في الثقة بين الجانبين، إذ تتهم واشنطن بعدم تنفيذ سلسلة من الالتزامات التي تضمنتها المذكرة، بدءًا من رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وصولًا إلى إنهاء الضغوط على صادرات النفط الإيرانية.
كما تتهم طهران الولايات المتحدة بعدم احترام تعهداتها المتعلقة بوقف الأعمال العدائية واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية، مشيرة إلى أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت الأراضي الإيرانية تمثل انتهاكًا مباشرًا لهذه الالتزامات.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا حيويًا للتجارة الدولية يجب أن يظل مفتوحًا أمام الملاحة العالمية، وترفض أي ترتيبات يمكن أن تمنح إيران قدرة أكبر على التحكم في حركة العبور أو التأثير في إمدادات الطاقة العالمية.
ويأتي هذا التوتر في وقت يشهد فيه الخليج مرحلة شديدة الحساسية، إذ لم يعد مضيق هرمز مجرد معبر بحري لنقل النفط والغاز، بل تحول إلى أداة ضغط جيوسياسية تستخدمها الأطراف المتصارعة في حساباتها الأمنية والاستراتيجية.
وتؤكد إيران أن رؤيتها للمضيق تغيرت بصورة جذرية بعد الحرب الأخيرة، وأنه لم يعد ملفًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي الإيراني. وتقول طهران إنها لن تسمح مجددًا باستخدام منطقة الخليج كنقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية ضدها، وهو ما يفسر إصرارها على الاحتفاظ بحضور عسكري وأمني كثيف في المنطقة.
ويكتسب هذا الموقف الإيراني أهمية خاصة في ظل حقيقة أن مضيق هرمز يعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب يشكل شريانًا حيويًا لأسواق الطاقة الدولية، إذ تمر عبره يوميًا ملايين البراميل من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
ولهذا السبب، فإن أي تهديد لحركة الملاحة في المضيق ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وأسعار النفط العالمية، ويثير مخاوف من اضطرابات اقتصادية قد تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
كما تستند إيران في دفاعها عن موقفها إلى تفسيرات قانونية تعتبر أن مضيق هرمز يقع ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، وأن تنظيم الملاحة فيه يخضع للقوانين والأنظمة التي تضعها الدولتان الساحليتان، وهو ما يمنح طهران، من وجهة نظرها، حقًا مشروعًا في لعب الدور الرئيسي في إدارة المضيق.
غير أن هذا التفسير لا يحظى بإجماع دولي، إذ تتمسك الولايات المتحدة ودول غربية بمبدأ حرية الملاحة الدولية، وترفض أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى فرض قيود على حركة السفن التجارية أو تمنح إيران نفوذًا إضافيًا على أحد أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.
ومع استمرار تبادل الاتهامات وتزايد المؤشرات على تراجع فرص التهدئة، يبدو أن مضيق هرمز يتجه ليكون مجددًا إحدى أخطر بؤر التوتر في الشرق الأوسط. فالتصعيد الحالي لا يقتصر على خلاف قانوني أو سياسي حول إدارة ممر بحري، بل يعكس صراعًا أوسع على النفوذ والأمن الإقليمي ومستقبل توازنات القوة في الخليج.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الأنظار متجهة إلى المضيق الذي طالما كان نقطة اختبار للعلاقات بين إيران والولايات المتحدة، ومقياسًا لحجم المخاطر التي تهدد أمن الطاقة العالمي، حيث يمكن لأي شرارة جديدة في هرمز أن تتحول سريعًا إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة وتلقي بظلالها على الاقتصاد الدولي بأسره.










