تصاعد التهديدات المرتبطة بالحوثيين يثير مخاوف من انتقال المواجهة البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر، وسط تحذيرات من قفزة تاريخية في أسعار النفط واتساع نطاق الصراع الإقليمي.
طهران – المنشر_الاخباري
مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، تتزايد التحذيرات من أن طهران لم تعد تكتفي باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، بل تتجه إلى توسيع دائرة التهديد نحو مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، عبر حلفائها الحوثيين في اليمن.
ويشير هذا التحول إلى أن الصراع لم يعد يقتصر على تبادل الضربات العسكرية أو استهداف المنشآت، وإنما بات يمتد إلى معركة السيطرة على طرق التجارة والطاقة العالمية، في تطور قد يعيد رسم خريطة الأمن البحري في الشرق الأوسط ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتواصل فيه الضربات الأمريكية داخل إيران، بينما تتصاعد الهجمات المنسوبة للحوثيين في البحر الأحمر، وهو ما دفع عدداً من الخبراء إلى التحذير من أن المنطقة تدخل مرحلة “حرب الممرات البحرية”، حيث تصبح المضائق الاستراتيجية سلاحًا بيد أطراف الصراع.
باب المندب.. الورقة التي لم تستخدم بالكامل
يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم، إضافة إلى شحنات ضخمة من النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا والولايات المتحدة.
وخلال السنوات الماضية أثبت الحوثيون قدرتهم على تعطيل الملاحة في هذا الممر الحيوي، بعدما شنوا عشرات الهجمات على سفن تجارية وعسكرية منذ اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023، ما أجبر شركات شحن عالمية على تحويل مساراتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي رفع تكاليف النقل وأطال زمن الرحلات البحرية.
لكن التطورات الحالية تشير إلى أن دور الحوثيين قد يتجاوز مجرد الضغط على إسرائيل أو السفن المرتبطة بها، ليصبح جزءًا من استراتيجية إيرانية أشمل تستهدف الاقتصاد العالمي بأكمله.
تهديدات مباشرة بإغلاق المضيق
القلق الدولي تصاعد بعد تصريحات مسؤولين مقربين من جماعة الحوثي أكدوا فيها استعدادهم لإغلاق باب المندب إذا استمرت الضغوط العسكرية على اليمن أو إذا توسعت العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
وذهب بعض المسؤولين الحوثيين إلى التحذير من أن إغلاق باب المندب بالتزامن مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، قد تصل إلى 200 دولار للبرميل، وهو سيناريو من شأنه إحداث صدمة عنيفة للأسواق العالمية.
وتحمل هذه الرسائل بعدًا يتجاوز الجانب العسكري، إذ تسعى إلى إظهار أن أي تصعيد ضد إيران ستكون له تكلفة اقتصادية عالمية، وليس فقط إقليمية.
من هرمز إلى باب المندب
يرى محللون أن إيران تعتبر مضيق هرمز أهم أدواتها الاستراتيجية، نظراً لمرور نحو خمس تجارة النفط البحرية عبره، إلا أن اللجوء إلى باب المندب يمنحها قدرة إضافية على الضغط.
فإذا أصبح المضيقان معًا عرضة للتهديد، فإن معظم صادرات الطاقة القادمة من الخليج ستواجه مخاطر كبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
وبحسب خبراء في شؤون الشرق الأوسط، فإن طهران تحاول إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي محاولة لخنقها اقتصاديًا أو عسكريًا ستنعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.
استراتيجية “توسيع الجبهات”
خلال الأشهر الماضية اعتمدت إيران على ما يعرف باستراتيجية “تعدد الجبهات”، من خلال تحريك حلفائها في أكثر من ساحة بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها.
وتشمل هذه الجبهات العراق وسوريا ولبنان واليمن، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة داخل الأراضي الإيرانية، وإنما تمتد إلى مناطق النفوذ الإقليمي لطهران.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحوثيين يمثلون اليوم الورقة الأكثر تأثيرًا في البحر الأحمر، خاصة بعد الخبرة العسكرية التي اكتسبتها الجماعة خلال السنوات الماضية، وقدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة لاستهداف السفن.
لماذا باب المندب مهم للعالم؟
تكمن أهمية باب المندب في أنه يمثل حلقة الوصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر ثم قناة السويس، وبالتالي فإن أي اضطراب فيه يؤثر مباشرة على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ويعبر المضيق آلاف السفن سنويًا، بينها ناقلات نفط وغاز وسفن حاويات تنقل البضائع بين أكبر الاقتصادات العالمية.
وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر خلال العامين الماضيين حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه تعطيل الملاحة، إذ اضطرت شركات عالمية إلى تغيير مساراتها، ما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار العديد من السلع.
النفط في دائرة الخطر
يرى خبراء الطاقة أن أخطر ما في السيناريو الحالي ليس مجرد استهداف السفن، بل احتمال تعطل تدفق النفط من الخليج.
فإذا تعرض هرمز وباب المندب للاضطراب في الوقت نفسه، فإن جزءًا كبيرًا من صادرات النفط العالمية سيصبح مهددًا، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار، مع انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي حول العالم.
كما أن الأسواق المالية ستكون أول المتأثرين، حيث قد ترتفع أسعار الذهب وتتراجع مؤشرات البورصات مع تصاعد المخاوف من أزمة طاقة جديدة.
واشنطن أمام معضلة جديدة
الولايات المتحدة تجد نفسها أمام تحدٍ متزايد، فحماية الملاحة في الخليج تختلف عن تأمين البحر الأحمر، الذي يمتد على مساحة واسعة ويشهد نشاطًا متزايدًا للحوثيين.
ورغم أن واشنطن تقود منذ أشهر تحالفًا بحريًا لحماية السفن في البحر الأحمر، فإن استمرار الهجمات يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا التحالف على منع أي تصعيد أكبر.
كما أن أي محاولة لإضعاف الحوثيين عسكريًا قد تدفع الجماعة إلى توسيع عملياتها بشكل أكبر، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد.
هل يتحرك الحوثيون دون إيران؟
يرى بعض المحللين أن الحوثيين يمتلكون هامشًا معينًا من الاستقلالية في اتخاذ القرار، إلا أن تنفيذ خطوة استراتيجية بحجم إغلاق باب المندب يحتاج، وفق تقديرات كثيرة، إلى موافقة ودعم مباشر من طهران.
ويؤكد خبراء أن مثل هذا القرار لن يكون مجرد تحرك يمني، بل جزءًا من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى رفع كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
دول الخليج بين القلق والحسابات
دول الخليج تتابع هذه التطورات بحذر بالغ، إذ إن أي اضطراب في الملاحة سيؤثر مباشرة على صادراتها النفطية وعلى استقرار اقتصاداتها.
وفي الوقت نفسه، تحاول هذه الدول تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، مفضلة استمرار المساعي الدبلوماسية لاحتواء الأزمة.
غير أن استمرار التصعيد قد يفرض واقعًا جديدًا يدفعها إلى تعزيز تعاونها الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة وشركائها.
البحر الأحمر يعود إلى الواجهة
بعد سنوات كان فيها البحر الأحمر ممرًا تجاريًا آمنًا نسبيًا، عاد ليصبح إحدى أكثر المناطق توترًا في العالم.
فالهجمات على السفن، وانتشار القطع البحرية الغربية، والتحركات العسكرية المتزايدة، كلها مؤشرات على أن هذا الممر تحول إلى ساحة صراع مفتوحة.
ويرى مراقبون أن السيطرة على الممرات البحرية أصبحت اليوم أحد أهم عناصر الصراع في الشرق الأوسط، وربما أخطرها.
هل ينجح الضغط الاقتصادي؟
تراهن إيران على أن تهديد الاقتصاد العالمي سيدفع القوى الكبرى إلى الضغط من أجل وقف التصعيد العسكري.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن أي تعطيل واسع للملاحة قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى رد عسكري أشد، سواء ضد الحوثيين أو ضد أهداف مرتبطة بإيران.
وبذلك قد يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل يوسع الحرب بدلًا من احتوائها.
بين الردع والانفجار
المشهد الحالي يعكس توازنًا هشًا بين الردع المتبادل والتصعيد التدريجي.
فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من استخدام الممرات البحرية كسلاح، بينما تحاول طهران إثبات أنها قادرة على تهديد المصالح الغربية إذا تعرضت لضغوط متزايدة.
وفي ظل غياب مؤشرات على انفراج سياسي قريب، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية أو تعرضت المصالح الإيرانية لضربات جديدة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يتوقع محللون ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال الفترة المقبلة:
الأول، استمرار الهجمات المحدودة دون الوصول إلى إغلاق كامل لباب المندب، مع بقاء الملاحة مضطربة ولكنها مستمرة.
الثاني، تصعيد أكبر يقود إلى تعطيل مؤقت للمضيق، بما يرفع أسعار النفط ويزيد الضغوط الدولية للتوصل إلى تسوية.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تزامن اضطراب الملاحة في هرمز وباب المندب، وهو ما قد يؤدي إلى أكبر أزمة طاقة يشهدها العالم منذ عقود، ويفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
وبين هذه السيناريوهات، تبدو الحقيقة الأبرز أن الممرات البحرية تحولت إلى السلاح الأكثر تأثيرًا في الصراع الحالي، وأن باب المندب قد يصبح، خلال الفترة المقبلة، الحلقة الجديدة في سلسلة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.










