من الجمهوريين إلى الديمقراطيين.. تصاعد الانتقادات في الكونغرس يكشف أزمة غير مسبوقة تهدد واحدة من أقدم الشراكات الاستراتيجية في الشرق الأوسط
واشنطن- المنشر_الاخباري
تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية واحدة من أصعب مراحلها خلال العقود الأخيرة، بعدما ظهرت مؤشرات متزايدة داخل واشنطن على تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل، وسط انقسامات حادة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتحول ملف العلاقة مع تل أبيب إلى قضية خلافية داخل المشهد السياسي الأمريكي.
ويرى مراقبون أن ما كان يُعرف لعقود بـ”العلاقة الخاصة” بين واشنطن وتل أبيب يواجه اختباراً حقيقياً، مع تصاعد أصوات أمريكية تطالب بإعادة تقييم المساعدات العسكرية والسياسية المقدمة لإسرائيل، مقابل دعوات أخرى داخل اليمين الأمريكي نفسه لوقف ما تعتبره “نفوذاً إسرائيلياً مبالغاً فيه” في صناعة القرار الأمريكي.
تصويت في الكونغرس يشعل الجدل
أحد أبرز المؤشرات على التحول السياسي جاء من مجلس النواب الأمريكي، حيث صوّت 103 نواب ديمقراطيين إلى جانب مشروع تعديل يهدف إلى وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل، رغم فشل المقترح في النهاية بعد تصويت الأغلبية ضده.
ورغم أن القرار لم يمر، فإن حجم التأييد داخل الحزب الديمقراطي اعتُبر رسالة سياسية قوية، خاصة أن عدداً كبيراً من النواب الذين كانوا يدعمون إسرائيل تقليدياً باتوا أكثر انتقاداً لسياساتها، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في غزة وطريقة إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويشير محللون إلى أن القضية لم تعد محصورة في تيار سياسي واحد، بل أصبحت موضع نقاش داخل مختلف أجنحة السياسة الأمريكية.
اليمين الأمريكي يرسل إشارات مقلقة لإسرائيل
في المقابل، لم تعد الانتقادات لإسرائيل مقتصرة على اليسار الأمريكي فقط، إذ ظهرت أصوات داخل التيار المحافظ والجمهوري تحمل مواقف أكثر تشدداً تجاه العلاقة مع تل أبيب.
وكانت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس خلال مقابلة إعلامية قد أثارت جدلاً واسعاً، بعدما تحدث عن وجود حملات ضغط وتأثير مرتبطة بإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وهو خطاب اعتبره منتقدون تحولاً خطيراً في لغة بعض الشخصيات المحافظة تجاه الحليف الإسرائيلي.
كما أثارت تصريحات أخرى لفانس بشأن قضايا مرتبطة بجيفري إبستين جدلاً واسعاً، بعدما أعاد التطرق إلى ادعاءات حول علاقات بإسرائيل وأجهزة استخبارات إسرائيلية، وهي ادعاءات واجهت انتقادات واعتبرها معارضون جزءاً من نظريات مؤامرة منتشرة في بعض أوساط اليمين المتطرف.
نهاية عصر الدعم غير المشروط؟
لطالما تمتعت إسرائيل بدعم واسع داخل واشنطن، سواء من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، حيث كانت المساعدات العسكرية والسياسية لإسرائيل واحدة من أكثر القضايا التي تحظى بتوافق نادر بين الحزبين.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً، خصوصاً بعد الحرب في غزة، حيث ارتفعت الأصوات التي تربط الدعم الأمريكي لإسرائيل بضرورة تغيير سياساتها تجاه الفلسطينيين.
ويرى محللون أن التحول لا يعني بالضرورة انهيار التحالف بين البلدين، لكنه يعكس انتقال العلاقة من مرحلة “الدعم التلقائي” إلى مرحلة أكثر تعقيداً تعتمد على المصالح السياسية الداخلية الأمريكية.
إسرائيل أمام أزمة صورة في الولايات المتحدة
يرى منتقدون داخل إسرائيل وخارجها أن جزءاً من تراجع الدعم الأمريكي يعود إلى السياسات الإسرائيلية نفسها، خاصة استمرار الصراع في غزة، والتوترات في الضفة الغربية، وتصاعد الانتقادات الدولية بشأن الوضع الإنساني.
ويشير هؤلاء إلى أن بعض الممارسات، مثل نشاط مجموعات المستوطنين المتشددة في الضفة الغربية، ساهمت في الإضرار بصورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي.
في المقابل، يرفض مسؤولون إسرائيليون هذه الانتقادات، ويؤكدون أن إسرائيل تواجه تهديدات أمنية حقيقية، وأن كثيراً من الحملات ضدها تعتمد على معلومات غير دقيقة أو دوافع سياسية.
الانتخابات الأمريكية تعيد تشكيل العلاقة
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في الولايات المتحدة، أصبح ملف إسرائيل أكثر حضوراً في المنافسة السياسية، حيث يسعى عدد متزايد من المرشحين إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الحكومة الإسرائيلية لكسب دعم قواعد انتخابية جديدة.
ويرى خبراء أن إسرائيل لم تعد تحظى بنفس الإجماع الذي تمتعت به سابقاً، وأن على الحكومة الإسرائيلية إعادة تقييم طريقة تعاملها مع واشنطن إذا أرادت الحفاظ على مستوى الدعم التقليدي.
واشنطن وتل أبيب أمام مرحلة جديدة
بينما يؤكد مؤيدو إسرائيل في الولايات المتحدة أن التحالف لا يزال قوياً، فإن التطورات الأخيرة تكشف تغيراً عميقاً في طبيعة العلاقة.
فلم تعد إسرائيل قضية تحظى بتوافق كامل داخل السياسة الأمريكية، بل أصبحت جزءاً من الصراع الأوسع حول السياسة الخارجية الأمريكية، ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وحدود الدعم للحلفاء.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ستتجه نحو إعادة ضبط وتوازن جديد، أم أن الخلافات الحالية ستتحول إلى أزمة استراتيجية طويلة الأمد.










